عبد الحميد أحمد

سكراب

لم أسمع بعد شخصاً يمتدح ميخائيل سيرجيفييتش جورباتشوف، باستثناء الإعلام الغربي، الذي سرعان مع نسيه أيضاً، أما عندنا في الوطن العربي، وأتصور أن الأمر كذلك، في العالم النامي والثالث، فالجميع يكاد لا يصدق أن الذي جرى ولايزال يجري، له علاقة بالعقل، أو بالواقع.

غير أننا اليوم لا نتحدث عن جورباتشوف، الذي أدى ما عليه، وكان السبب في كل ما نشهده حالياً، من مفارقات، تكاد من فرط غرابتها أن نسميها جنوناً، وساعده الغرب كما لم يساعد أحداً غيره، على دفعه إلى إنجاز ما أنجزه، أو تخريب ما خربه، لا نعرف بعد، فهذا أصبح تاريخاً، من السابق للأوان الحكم عليه الآن، بل نحن نتحدث عن غرائب وعجائب، لو أمعن أي مواطن عربي التفكير فيها طويلاً لأصيب بالجنون مرات في اليوم، لا مرتين في الشهر كما هو الحال مع مولى بني عامر، الذي قابله صدفة الحجاج بن يوسف فسأله: كيف هي سيرة الحجاج فيكم؟ فشتمه بأقذع الشتائم، فقال له الحجاج: أو تعلم من أنا؟ فرد المولى: ومن عسى أن تكون؟ فلما عرف أنه الحجاج، قال المولى: إني أجن في الشهر مرتين هذه إحداهما.

فبعد ما صار الاتحاد السوفييتي، سكراباً وخردة، ودولاً، ودويلات وبعد ما سمعنا عن علماء وجواسيس يبحثون عن عمل في الغرب، وعن بيع طائرات وأسلحة لم تكن دول تحلم بامتلاكها، بأبخس الأثمان لأفراد، سمعنا أخيراً عن اعتراض موسكو على بعض الأشخاص ضمن الوفود المشاركة بالمحادثات المتعددة لأنهم شيوعيون. فموسكو التي كانت قلعة هؤلاء لم تعد اليوم تطيق رؤيتهم فيها، وتخشى على نفسها من نقل جراثيم الشيوعية إليها مجدداً، وكأنها واشنطن، التي كانت حتى أمس ألد أعدائها، فإذا بها اليوم الصديق الصدوق الصادق، التي ينبغي تغيير وجهة الصواريخ النووية بعيداً عنها وهو ما حصل مؤخراً.

ولا نقول إلا سبحان مغير الأحوال، ومجمع القلوب، وما محبة إلا بعد عداوة ومن غير هذا الكلام فإن الجنون هو مصير من يفكر فيما جرى ويجري.

ثم، لماذا واشنطن وموسكو، وغداً في طوكيو وبروكسل وغيرها، وبعد غدٍ في دمشق وبيروت وعمان وتل أبيب أو القدس والقاهرة، لنتحدث عن مشاريع مشتركة وتجارة متبادلة وخبرات رايحة جاية والذي منه، وفي الذي منه الكثير مما لا يخطر على بال عاقل، ولا يمكن أن يتخيله إلا مجنون رسمي مخه يعدل أمخاخ آلاف العقلاء، على حسب معايير هذا الزمن المقلوبة فوق تحت.

ولأننا لا نستطيع أن نفكر أكثر من ذلك، أو نقول أكثر من ذلك إلا إذا كنا مجانين مثل مولى بني عامر، فإنه ليس أمامنا إلا حريمنا نفش خلقنا فيهن قبل أن تطير عقولنا، كما فعل ذات مرة عمدة فحل صحبه مواطن في القاهرة إلى أحد الكباريهات، فكان كلما رأى راقصة حسناء قال: «اتفو» فقال له صاحبه: ما هذا، أترى أجمل النساء وتقول: «اتفو»؟ فرد عليه العمدة: بقول اتفو كل ما أفتكر اللي عندي في البيت!

لذا نرجو من كل النساء العربيات أن يتحملن هذه الأيام غلاسة وثقل دم أزواجهن، إذا ما رأينهم يبرطمون ويتحرطمون ويشتمون ويبصقون بسبب ومن غير سبب، فدورهن هذا في التحمل والصبر خلال المرحلة المقبلة دور نضالي مجيد، لا يقل عن الأدوار المجيدة والبطولية التي قام بها الرجال طوال حروبنا مع إسرائيل وأعوانها من إمبريالية وصهيونية وخنفشارية وانبطاحية وانهزامية إلى آخر شبكة أعداء الأمة التاريخيين والحضاريين.

وصحيح أن من الحب ما قتل وبهدل ومرمط أيضاً خاصة إذا كان بعد عداوة وخصام وزعل، ولا عزاء للرجال، إلا أن يطق الواحد منهم ويدخل العصفورية عزيزاً مكرماً!
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()