عبد الحميد أحمد

جيرو ونعيمة

يحصل القرد «جيرو» على ٢٥٠٠ دولار يومياً كأجر على عروضه الشيقة التي يقدمها، وكان آخرها تقليده للرئيس الأمريكي حيث أغمي عليه في حفل العشاء أثناء زيارته لليابان.

وسبق أن حدثتكم عن «جيرو» هذا، الذي فاز بجائزة ثقافية يابانية ضخمة حسده عليها المثقفون والأدباء العرب، الذين لا يجد غالبيتهم ملاليم حق السيجارة والقهوة، ولابد أن العاطلين عن العمل في الوطن العربي، يحسدون اليوم هذا القرد، الذي يكسب من عرق جبينه مالا يكسبه وزير في بعض الدول العربية، أو رئيس دولة في الدول الفقيرة من العالم الثالث.

وأتصور أن «جيرو» هذا مبسوط آخر انبساط، ولا يعرف الحزن والغم، ليس لأنه كسيب وجيوبه مليانة فقط، بل لأنه يعمل ويشتغل وليس عاطلاً تتناوشه الهموم والكآبة، مثلما هو الأمر بالنسبة لــ «نعيمة» التي أصابها الاكتئاب مؤخراً بالإسكندرية، وسبب لها فلتان الأعصاب والهياج، فهاجمت حارسها وهربت من القفص وأثارت الذعر بين الناس.

ومع أن «نعيمة» قردة هي الأخرى من بنات جنس «جيرو»، إلا أنها – حسب تحليلي والذي أعتقد أنه صحيح – وجدت نفسها عاطلة عن العمل، فهي على الرغم من أنها محبوسة في قفص، فإن عملها هو تسلية رواد الحديقة، أو التسلي بهم وعليهم، لا فرق، وبما أن هؤلاء لا شك أنهم انقطعوا عن الحديقة لأن الجو بارد، فقد وجدت نفسها وحيدة وفي حالة فراغ، الأمر الذي سبب لها كل الاكتئاب، وبالتالي الهيجان والتمرد.

ومن عالم القرود، إلى عالم البشر، فإن آلاف الشباب ممن لا يجدون عملاً، لا شك أنهم يصابون بكافة أشكال الإحباط والاكتئاب والعصبية، إضافة بالطبع إلى أمراض الفراغ الأخرى، خاصة الأخلاقية والاجتماعية، وهي مشكلة جدية تعاني منها كافة الدول العربية بنسبة أو بأخرى.

وما دمنا في القاهرة، فإننا نتذكر معاً النقاش الذي دار في مجلس الشعب المصري حول مشكلة القمامة، التي وزنها يومياً ٣٠ ألف طن، وتحتاج إلى ١٦ ألف عامل لجمعها، بينما يبلغ عدد العاملين في جمعها حالياً حوالي نصف العدد المطلوب، مما حدا بوزير الحكم المحلي الدكتور محمود الشريف إلى دعوة الشباب للعمل كزبالين.

وربما سخر بعض الناس من هذه الدعوة، لكن آخرين، بما فيهم صحافيون وكتاب، أيدوها، إذ من غير الممكن لدول مثل مصر، تعاني من الضغط السكاني ومن البطالة في أوساط الشباب والخريجين، أن تستورد عمالاً من الخارج للعمل في جمع القمامة، ثم إن العمل مهما كان نوعه، ليس عيباً، وفي أوروبا وأمريكا وغيرهما من البلدان المتقدمة، يعمل أبناؤها في كافة المهن، بما فيها مهنة الزبالين، وهي مهنة، على كل حال، لا يقل مدخولها عن مهن ووظائف أخرى، إن لم يزد عليها أضعافاً.

في الإمارات، مثلما في دول الخليج، ليست عندنا مشكلة بطالة كما هي في مصر وفي غيرها من البلدان، لكن عندنا مشكلة خريجين، يبحثون عن عمل لم يعد العمل الحكومي يتسع لهم، بينما العمل بالقطاع الخاص، لم يصبح سالكاً بعد. ولا ندعو شبابنا للعمل كزبالين، فوقت هذا الترف لم يحن بعد، لكننا ندعوهم إلى خوض العمل المهني الحر، كفتح دكاكين وورشات صغيرة لتصليحات الكهرباء، والمياه والميكانيكا واللحام والخراطة، ففي مثل هذه المهن الحرة، مدخول شهري يزيد على دخل أي رئيس قسم أو مدير إدارة بجهة حكومية، إذ يتقاضى الآن، أي بايب فيتر، أو كهربائي آسيوي مبلغاً لا يقل عن ثلاثمائة درهم نظير إصلاح أنبوب ماء مكسور لا يستغرق إصلاحه أكثر من ساعة.

العمل عبادة وسعادة أيضاً، والعمل يحب الحركة التي فيها بركة، ويحب الخفية وفوق هذا شرف، على عكس البطالة وانتظار الوظيفة، واسألوا في هذا «جيرو» واخته «نعيمة» فعندها الوصف والدواء، وربما الخبر اليقين أيضاً.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.