عبد الحميد أحمد

الكلام المر

عند السوداني إن حمارتك العارجة تغنيك عن سؤال اللئيم، لكن ماذا يصنع السوداني إذا كانت حمارته العارجة قد نفقت جوعاً، ولم يعد أمامه إلا سؤال اللئيم، حتى لو كان هذا هو شر اللؤماء فقد قرأت، وأرجو ألا يكون الخبر صحيحاً من أصله، أن عدداً من السودانيين لجأوا إلى إسرائيل، وقالت صحيفة «جيروزاليم بوست» التي نشرت الخبر، ونقلته صحف ووكالات عنها إن هؤلاء يطالبون بحق اللجوء السياسي، أما أوساط المعارضة السودانية في الخارج فأبدت دهشتها وهي تقول إن هذه سابقة لم تحدث في تاريخ السودان من قبل.

ولا نريد أن نتدخل في شؤون السودان، الذي يحدث فيه ما لم يحدث من قبل في تاريخه، لولا أن ما يحدث يهز البدن، ويثير الحزن للمصير الذي آل إليه إخواننا السودانيون، الذين نعرف عنهم حبهم للسلام وصبرهم الطويل وهدوء أعصابهم وكرههم للعنف والدم، ثم إن ما يحدث هو قمة الاستهتار من النظام تجاه مواطنيه، الذين لم يكتف بإدخالهم السجون وإعدامهم والبطش بهم، بل بتجويعهم جماعات وأفراداً.

ونعود للخبر، الذي لو صح، فإنه رصيد آخر لإسرائيل سوف تتباهى به علينا في اللقاءات الدولية، فهي واحة الأمن والاستقرار والحرية، كما تزعم، وسط دول لا ترحم مواطنيها ولإظهار همجيتها وتخلفنا، ونعرف أن ما تقوله عنا إسرائيل ليس صحيحاً دائماً وإنما يساق لأغراض الدعاية السياسية، لكن، ما الذي يمكن الرد به عليها في حالة واحدة مثل حالة السودان؟

وإذا كان بعض السودانيين هربوا اليوم من جحيم نظامهم إلى جنة العدو، حيث ضاقت بهم السبل، فإننا لن نستبعد غداً أن نرى آخرين من دول عربية أخرى، لا تقل عن السودان عنفاً وانتهاكاً لحقوق الإنسان وفي سوء الأوضاع الاقتصادية كالعراق مثلاً، يحملون حقائبهم على ظهورهم متجهين إلى أرض اللبن والعسل.

كل أخطائنا تصب في صالح إسرائيل، وكان آخرها «أم المعارك» التي أظهرتنا أمام العالم حفنة وحوش تأكل بعضها، ثم إن نتائجها التي لا نزال نعاني منها تقدم لإسرائيل نجاحات على حسابنا وعلى طبق من فضة، حتى ذهبنا للتفاوض معها فرادى، وصار علينا أن نقبل بوجودها وأن نقدم لها الماء والأرض والمال أيضاً، لكي تقبل هي بنا هذه المرة.

وغداً سيكون عند إسرائيل لاجئون عرب، وستضيف إلى مطالبها في المفاوضات المتعددة شرطاً وهو أن نقدم لها ضمانات قروض لكي تبني مساكن لهؤلاء. ولإعالتهم أيضاً، وإذا زاد هؤلاء اللاجئون فإننا لا نستبعد أن تطلب حكم بلداننا مباشرة، والحجة أننا لسنا أهلاً لذلك، والبركة في بعض زعمائنا الانقلابيين، الذين يركبون شعوبهم كما يركبون العربات المصفحة، وهذه ثبت أنها من صفيح، والنظام العالمي الجديد، جاهز وعلى أتم الاستعداد لتلبية طلبات إسرائيل، ليس احتراماً لمبادئ حقوق الإنسان بل نكاية بنا.

وإذا كان فيكم من يعتقد أننا خياليون أو مبالغون فنذكره بنكتة إسرائيلية شاعت في أعقاب ٦٧، فقد سأل جندي إسرائيلي زميلاً له: لماذا لم يستول موشي ديان على الأهرامات؟ فأجابه: لأن بيته لا يتسع لها!

ولأن إسرائيل لن تتسع بما استولت عليه من أراضٍ حتى الآن، للهاربين من أنظمتهم وأوضاعهم القاسية، في حال استمرت هذه الأوضاع وانفتح هذا الثقب الأوزوني الجديد في جسد بعض بلداننا المتهالكة، فإن ما ذكرناه سابقاً لن يغدو خيالاً ولا مبالغة، ومن يعش رجباً ير عجباً.

وعند السودانيين ما في شيء يضر إلا الكلام المر، وكلامنا اليوم كان مراً، لكن الذي حدنا عليه الأمر منه، وما أكثر هذا اليوم.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()