عبد الحميد أحمد

الراقصة والصحافي

 

نحن اليوم نمزح علينا، ونقول إن بيننا، نحن الصحافيين، وبين الفنانات والراقصات أكثر من شبه، ولولا الحياء لقلنا إننا أبناء وبنات مهنة واحدة.

فنحن لا نعود إلى بيوتنا وإلى زوجاتنا وعيالنا إلا بعد نص الليل، بعد أن ننتهي من «نمرتنا» وأحياناً مع طلوع الفجر منهكين، إذا كان هناك خبر ساخن، وكذلك تفعل الفنانات اللواتي لا «يسربن» في إحدى اللهجات العربية ولا «يلفين» في لهجة أخرى، إلى بيوتهن إلا مع صياح الديكة، منهكات مثلنا، إذا كانت الحفلة والعة. ثم إن الملل والضجر يكاد يقتلنا إذا مرت أيام ولم نجد خبراً جديداً له قيمة صحافية، أو إذا لم يقع حدث ضخم كخلاف سياسي بين دولتين مثلاً، أو كغزو كبير، مثل غزو الكويت وأقل منه، كاجتياح إسرائيل لقرى الجنوب اللبناني منذ أيام، أو إذا لم تنقل لنا وكالات الأنباء أخباراً عن فضائح مالية أو جنسية متورط بها كبار قادة القوم في بلدان الغرب.

وأتصور أيضاً أن الفنانات والرقاصات يصيبهن مثلما يصيبنا من ضجر وقرف، إذا لم ترقص أو تغني الواحدة منهن في عشر حفلات، بعشرة فنادق أو مطاعم في الليلة الواحدة، أو إذا تعبت وبح صوتها أو انكسر عودها من كثرة الهز، دون أن ترتفع من القاعة أمامها أصوات: يا سلام، يا عيني على الحلاوة، ايه المزيكا ديه، يا دلي على الرشاقة وخمسة وخميسة، أو غيرها من عبارات التشجيع الليلية، كما أن ليلتهن تصير بايخة وباردة لا مزية فيها ولا فكاهة، إذا لم يتخانق اثنان أو أكثر من الحاضرين لوصلتها الغنائية أو استعراضها الفني الكبير، على كسب رضاها ودعوتها لتناول عصير الزنجبيل المركز (وهي الترجمة العربية التلفزيونية المعتمدة للشراب الذي تعرفونه) ويزيد مللهن إذا لم تتطور المعركة إلى اشتباك بالأيدي والكراسي والزجاجات الفارغة والمليانة، حتى تتدخل قوات السلام الليلية، قبضايات الملهى، لفض الاشتباك وإحلال الأمن والاستقرار في ربوع المكان الذي يسوده بالطبع بعد ذلك التوتر المشوب بالحذر. وإضافة إلى اشتراكنا معهن، أو اشتراكهن معنا، في سهر الليل ونوم النهار وحب الصخب والمعارك والخبط واللبط والفضائح والتصريحات الحامية فإننا نحن وهن، نعيش من لحم أكتافنا، أي من مجهودنا الخارق في استخدام أعضاء جسمنا، فهن يستخدمن حناجرهن ووسطهن، ونحن نستخدم آذاننا وأصابعنا، وكلما هزت الرقاصة وسطها أكثر كلما تقدمت في صنعتها وصارت إمبراطورة وازدادت فلوسها، ونحن كلما هز أحدنا عقلة إصبعه وكتب أكثر كلما صار ديكاً وقلت فلوسه، ولا يهم الناس اليوم ما هو نتيجة هز الوسط أو هز الإصبع، والنتيجة واضحة فيما نراه من رقص مائع وأغاني هشك بشك ومقالات، منها هذا المقال طبعاً، لا تودي ولا تجيب تملأ صحفنا ومجلاتنا العربية. غير أن فئة منا تكاد تقترب من الفنانات أكثر من غيرها، وهؤلاء هم الذين يهزون لمن يدفع أكثر، ويتنقلون من طاولة إلى أخرى، حتى يستقروا على الطاولة التي تنضح ذهباً، وصارت الصحافة والسلطة الرابعة على أيديهم كباريهات وكازينوهات. وعندي من أوجه الشبه بيننا، نحن الصحافيين وبين الفنانات ما يكفي لمزاحمتهن في مهنتهن وتشكيل نقابة مشتركة معهن تحمي حقوقنا معاً، غير أنني أكتفي بما قلت لأشير إلى فارق وحيد فقط، يجعلنا أقل منزلة منهن، وهذا الفارق لا يشمل بالطبع الفئة الأخيرة من الصحافيين التي من شدة منافستها للفنانات تكاد تتربع على عرش الرقص الشرقي والغربي معاً.

الفارق هو أن الفنانة كلما طال سهرها، كلما زاد دخلها وانفتحت لها أبواب رزق أخرى، إضافة بالطبع إلى حصولها على «نقوط» كلما كان صوتها قادراً على استخراج «الآه» من قلوب العشاق الليليين وما أكثرهم بيننا أو كلما كان رقصها، متمكناً إلى الدرجة التي تجعل الجيوب تنتفض وترتعش، فيسقط كل ما فيها من أموال دفعة واحدة وبكرم يضاهي كرم حاتم، وما أكثر هؤلاء أيضاً.

وللقارئ الكريم، الذي استغل دعابتنا هذه الأيام، وصار يقهقه علينا من الضحك، نقول، إننا لسنا وحدنا المعنيين، فمثلنا كثير، في مثل هذا الزمن العربي، الذي صار الملل يقتلنا فيه، من قلة الأخبار العربية المطمئنة والجديدة، باستثناء أخبار الفنانات الطازجة دائماً، والتي للأسف وحدها التي تسلينا وتحلينا وبس.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998. ()