عبد الحميد أحمد

وبقيت روما

تكرم اليوم بلادنا، الثقافة العربية الجادة، في سبعة من ألمع أبنائها وأبرزهم، هم الفائزون بجائزة سلطان العويس الثقافية لهذه الدورة.

ومثلما أن في التكريم يتشرف هؤلاء بالحصول على جائزة مستقلة محايدة، لا تهدف إلا لخدمة الثقافة العربية، فإن بلادنا الفتية الناهضة تتشرف هي أيضاً، أن ينال جائزة انطلقت من فوق ترابها، أمثال هؤلاء ممن أثروا حياتنا الأدبية والثقافية، وتركوا ومازالوا بصماتهم حية على أجيال وأجيال، وخدموا أمتهم، من منبر الثقافة والفكر. بصمت، هو صمت الرهبان، وصبرهم ودأبهم، وبكفاح من يسرق الحليب من فم أطفاله ليبذله في سبيل الفكر والمعرفة.

محمد مهدي الجواهري، عبد الرحمن منيف، الفريد فرج، سعدي يوسف، زكي نجيب محمود، فؤاد زكريا، وإحسان عباس، سبعة فرسان، في زمن لم يعد يقيم وزناً لنبل الفرسان وخصالهم، هم أبناء هذه الأمة، وشهداء على تاريخها وجراحها وآلامها معاً، منحوها عصارة فكرهم، ولحم صحتهم ودم قلبهم عملاً وإنتاجاً وإبداعاً، كل في مجاله.

ويكفي أن نعرف، أن واحداً منهم هو الدكتور إحسان عباس، له ما يزيد على ٧٠ كتاباً، بين تأليف وتحقيق وترجمة، هي بمثابة مراجع ومصادر للدارسين والباحثين والمشتغلين بحقل الأدب والمعرفة والنقد، لنتساءل: كم من الوقت والليالي والأزمنة استغرقته هذه المؤلفات، التي لابد أنها سرقته من عياله وأوقات فراغه ومتعه الصغيرة والكبيرة، ويحق لنا أن نسأله مازحين: كيف وجدت الوقت يا إحسان لكي تأكل وتشرب وتستحم وتنجب أطفالاً؟

ومثله الآخرون من الذي كان وطنه حقيبته المحمولة فوق الظهر، من عاصمة لأخرى، ومن بلد لآخر، بعد أن ضاق به وطنه، وعز لديه ولدى أطفاله الخبز، ومع ذلك لم ينقطع بوح عطائه، وظل مدراراً مثل غيم الشتاء.

ومنهم من كانت صحته هي الثمن، فوق ما تكبده من حرمان وفاقة وعوز وإهمال مقصود ومبرمج أحياناً، أو بسبب النسيان، حيث أمته انشغلت بما هو أهم عندها من الفكر والمعرفة والإنسان في أحلى حالاته، حتى جلست القرفصاء على قارعة التاريخ كما هو الحال الآن.

وربما كان قدر هؤلاء وغيرهم، من أدبائنا وكتابنا العرب الجادين والمخلصين لشغلهم وكلمتهم، هو أن أمهاتهم اسأن اختيار مكان. ولادتهم وزمانه، لكي لا نقول إن خطأ فادحاً وفاحشاً آخر وقع في مكانهم وزمانهم فكانوا هم وكل من يحمل في قفصه الصدري شعلة التوهج، وجمرة الإخلاص، أول ضحاياه ومع هذه الأبيات للجواهري نختصر بعض حال هؤلاء:

حييت سفحك عن بعد فحييني

                        يا دجلة الخير، يا أم البساتين

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به

                        لوذ الحمائم بين الماء والطين

إلى أن يقول:

وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني

                        يحاك منه غداة البين يطويني

يا دجلة الخير شكوى امرها عجب

                        انا الذي جئت اشكو منه يشكوني

ماذا صنعت بنفسي قد احقت بها

                        ما لم يحقه بــ «روما» عسف «نيرون»

وبما أن مأساة الشاعر ورفاقه عبر التاريخ، هو نيرون الذي يتجدد ويتمدد، ولا يكف عن التناسل والانبعاث، غير أن التاريخ نفسه يقول لنا إن نيرون هو من احترق، وبقيت روما حتى الآن.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.