عبد الحميد أحمد

وشحاذ دولي

في إحدى جلسات الأمم المتحدة، لمناقشة أوضاع التخلف والفقر في العالم، مال مندوب فرنسا على زميله مندوب بريطانيا قائلاً: أعتقد أنه بعد عشر سنين سيضطر السكان في البلدان غير النامية في العالم الثالث إلى أكل الحصى، فرد عليه زميله البريطاني: أعتقد أنه لن يكون هناك حصى يكفي الجميع.

واليوم، فإنه حتى البلدان النامية من هذا العالم، يتجه بعضها إلى الانهيار الاقتصادي، لينضم إلى قائمة الشحاذين الدوليين، وقبل يومين خرج الملايين من أهالي فنزويلا في مسيرات وهم يقرعون الصواني والقدور وأواني المطبخ، ويحتجون على سياسة التقشف الحكومية، ونقرأ بين فترة وأخرى عن انتحار مواطنين في بعض البلدان، منها لبنان، لعدم تمكنهم من مواجهة أعباء المعيشة، وعن آخرين يبيعون قططهم ودجاجهم وأثاث بيوتهم بل وأبناءهم ليأكلوا بثمنها خبزاً وجبناً، كما هو الحال في بلدان الكومنولث السوفييتي.

ومثلما أن هناك طلاليب وشحاذين أفراداً في كل دول العالم، هناك أيضاً دول بكاملها تعيش على الشحاتة التي يسمونها المساعدات والمعونات، وهذه بالكاد تلبي الاحتياجات الأساسية لسكان هذه الدول، فكيف ببرامج التنمية والمشروعات.

بعض هذه الدول، التي سقطت في دروس الاقتصاد، لأنها سقطت قبل ذلك في دروس السياسة، لا تتوفر فيها مقومات الدول، إلا من حيث اعتراف الأمم المتحدة بها، وميزانية أي شركة صغيرة من شركات الغرب تفوق ميزانيات مثل هذه الدول أضعافاً أضعاف، هذا إذا كان لدى هذه الدول ميزانيات أصلاً، وقرأت مؤخراً مقابلة مع مسؤول صومالي يتحدث عن دولة في الشمال الصومالي، فذكر أن هذه الدولة تحتاج إلى ١٨٠ مليون دولار فقط لتأسيسها، وهو مبلغ بالطبع يقل كثيراً عن دخل أي ثري اليوم من حقل واحد من حقول استثماراته في الشركات أو العقارات أو الأسهم.

وفي لبنان، ما يقرب مثل هذه الصورة إلى الأذهان، فبعد أن عجزت الحكومة عن تأمين مساعدات من الدول العربية والأجنبية على السواء لمشاريع إعادة الإعمار، لجأت كعادتها إلى الثري رفيق الحريري، لمساعدتها في بعض المشروعات التي من الممكن أن تغذي الخزينة اللبنانية المتدهورة، وتنقذ الليرة اللبنانية، التي يترحم اللبناني اليوم على أيام كان سعرها يقل عن الدولار قليلاً، وصار اليوم الدولار بألف ليرة، تسأل اللبناني عن الحال، فيقول «ماشي الحال» مع أنه يعرف أن الحال واقف وضارب فرامل ومنيل على عينه.

ومع انضمام جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، وانضمام دول أخرى قريباً، إلى شلة الشحاذين، فإن العالم، في نظامه العالمي الجديد، ينقسم مواطنوه، إلى أغنياء ومقتدرين، وإلى فقراء شحاذين، لن يعود من الممكن للبنك إنقاذهم من أكل الحصى، لأنه في الحقيقة يساهم في تحويل سكان هذه البلدان إلى شحاذين فعليين على الصعيد الشخصي، وربما يطلع من بين منظري هذا النظام قريباً، من يطالب بتأجير مثل هذه الدول إلى رجال الأعمال العالميين وإلى الشركات الضخمة لإدارتها واستثمارها وإطعام شعوبها، بعد أن عجزت حكوماتها عن ذلك. ولو حصل هذا، فإن هذه الدول ستتخلص على الأقل من تدخلات ومساءلات وشروط بنك النكد هذا، الذي لا يشبه في ذلك إلا السيدة الفرنسية التي قالت لمتسول طلبها بضعة فرنكات: لقد منحتك أمس عشرين فرنكاً، فماذا فعلت بها؟ فأجابها: ركبت سيارة تاكسي، وذهبت أتعشى في مطعم مكسيم، ثم سهرت في الفولي برجير، وشربت الشمبانيا مع إحدى الراقصات واشتريت بما تبقى من المبلغ قصراً ريفياً في التورين!

ولا عزاء للشحاذين إلا الموت ضحكاً، أو أكل الحصى أو الخروج إلى الشوارع والقرع على الطناجر والقدور وأواني المطبخ الفارغة، لعل الآخرين يسمعون وصوصات بطونهم، أو عصافير هذه البطون الخاوية وهي تزقزق من الجوع.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()