عبد الحميد أحمد

غواصة يا ضلالي!

يسرق اللص عادة ما خف وزنه وغلا ثمنه، كالمجوهرات والذهب والمال، لكن هناك لصوص ظرفاء، يسرقون ما تقع عليه أيديهم، حتى لو كان هذا دجاجة أو أرنباً، أما اليهود فإنهم يخالفون كل قواعد السرقة وأصولها وتقاليدها المتوارثة، ويصنعون لأنفسهم تقاليد خاصة بهم تليق بتاريخهم الأسود، فهم يلهثون وراء ما ثقل وزنه وإن قل ثمنه، عدا بالطبع سرقتهم للأراضي العربية منذ سنوات، وهذه سرقة تختلف عن غيرها، لأنها يوماً بعد آخر صارت شرعية، أو تكاد تكون كذلك، لأن إسرائيل تصر على أن ما سرقته هو ملك لها وليس لغيرها.

فأحد اليهود، وهو ضابط سابق في الجيش الأحمر السوفييتي، برتبة رائد، حاول سرقة غواصة (غواصة يا ضلالي!) بتعليمات من الموساد، والقصد طبعاً من سرقة كهذه، هي تكنولوجيا الغواصة وأسرارها، ثم بيعها سكراب بعد ذلك.

ولم يكن لهذا الضابط اليهودي أن يتجرأ على سرقة غواصة حتة واحدة، لو لم تكن دول الكومنولث حالياً وكالة من غير بواب، ولو لم تتحول إلى سوق لبيع كل شيء، من أجل حفنة دولارات، ابتداءً من بيع حيوانات المنازل الأليفة وحتى العلماء والسلاح ومركبات الفضاء، وقد قرأنا مؤخراً عن بيع صواريخ وطائرات مقاتلة بأثمان زهيدة يستطيع أي طالب مدرسة من بلادنا شراءها، ليضرب بها ويعاقب أي ناظر مدرسة لا يحبه ويستثقله، فيما لو عرف الطريق إلى موسكو وتجار السلاح طبعاً.

واليوم صار ممكناً لمن يريد أن يستأجر دبابة أو عربة مصفحة لبعض الوقت، مقابل ١٠٠ دولار في اليوم (يا بلاش) ولن يمضي وقت طويل، حتى نرى السياح الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين وغيرهم، يستأجرون هذه الدبابات في موسكو وكييف وسانت بترسبورج ليتجولوا بها على معالم هذه المدن، مثلما يؤجرون عربة الحنطور في مصر، أو الركشة في الهند، حيث ستصبح الدبابات السوفييتية في خدمة السياحة، والعملة الصعبة.

ونعود إلى إسرائيل، التي قامت على السرقة. واستمرت عليها، وبنت اقتصادها وآلتها العسكرية وقوتها على هذه المهنة التي تتطلب خفة يد واستغفال الآخرين من النائمين والغفل، حتى إذا سرقت منا الأرض والمياه، التفتت إلى غيرنا لتسرق منها الأموال تحت بنود المساعدات، وأضافت إلى سرقاتها لطش المعلومات وأسرار الصناعة والتكنولوجيا الحربية، وكان الآخرون، وعلى رأسهم أمريكا تساعدها في ذلك، بل ربما وجدت إسرائيل فيها من يسهل لها هذا الأمر ويقوم به، حتى صارت دولة صناعية، ومن أكبر مصنعي السلاح المتطور، بما في ذلك السلاح النووي.

ومع أن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى سرقة هذه الأسرار من حلفائها، خاصة الولايات المتحدة، إلا أنها فعلت ذلك عبر جواسيسها وعملائها، متخطية بذلك كل تقاليد اللصوصية الشريفة وغير الشريفة، وسرقت حليفاً لها، لم تنقطع مساعداته ودعمه لها يوماً، وارتبطت معه بعلاقات خاصة للغاية، حتى أننا نقول إن إسرائيل ولاية من ولايات أمريكا، وابن غير شرعي للعم سام.

غير أن إسرائيل، باعت ما حصلت عليه سرقة أو مساعدة، من معلومات وأسرار إلى الصين، إحدى القوى الكبرى، والتي لا تزال تخرج لسانها لأمريكا ولنظامها العالمي الجديد، مما يجعلنا نتساءل: ما الذي تريده إسرائيل من الصين غير دعمها السياسي في مجلس الأمن فيما لو انتقل السلام إليه، وغير بضعة آلاف يهودي صيني تنقلهم إلى الأراضي المحتلة؟ وهذا السؤال يكفي لإيقاظ الفأر ليلعب في عبنا، ويبعد النوم عن جفوننا، لولا أن عبنا مثقوب وسباتنا عميق ليس أطول منه إلا نوم أهل الكهف، منذ كنا ولا زلنا، وكالة من غير بواب. سرقنا اليهود في وضح النهار وعلى عينك يا تاجر.

ولا تستغربوا غداً إن رأيتم يهودياً يسرق بلداً كبيراً كالصين ويحمله على ظهره إلى حيث لا يعلم إلا الله.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()