عبد الحميد أحمد

تداعيات حادث العتبة

ميدان العتبة في القاهرة أحد الميادين التي تعج بالناس ويزدحم بهم ليل نهار، إن لم يكن أكثر الميادين ازدحاماً على الإطلاق، ومع ذلك، وعلى مرأى من الناس، وفي شهر رمضان، تعرضت فيه فتاة إلى حادث اغتصاب، جعل بنات مصر ونساءها وطالبات المدارس والكليات والمعاهد في حالة ذعر من الخروج من بيوتهن.

حادث العتبة هذا، شغل الرأي العام المصري وشغل الصحافة، وظلت الأقلام تتناوله بالتعليق والتحليل والنقد على مدى أكثر من أسبوعين، وحتى الآن، ولم يكد هذا الحادث ينطفئ بريقه حتى فوجئ الناس بحادث اغتصاب آخر في المنيل، ومن قبل هذين الحادثين، لا تزال القاهرة تتذكر حادث المعادي حين اختطف شبان فتاة من بين أيدي خطيبها واغتصبوها. غير أن حادث العتبة سيبقى مثيراً، لأنه وقع في ميدان عام ومزدحم، والناس فيه تتفرج ولا تحرك ساكناً فيما الوحوش الآدمية تنتهك عرض فتاة، غير أن هناك إجماعاً على أن حوادث الاغتصاب ظاهرة عامة، تقع في جميع الدول، خاصة الدول الغربية بنسب تزيد على تلك التي تقع عندنا في البلدان العربية، ولأسباب مختلفة، حتى جعلت الغربيين يفكرون في وسائل جديدة تحمي النساء مثل العطر المخدر، أو أنبوب الغاز المسيل للدموع الذي تضعه المرأة في حقيبة يدها لاستخدامه في حالات الطوارئ. إلا أن مثل هذه الابتكارات لن تحد من هذه الحوادث، ذلك لأن المجرمين يمكنهم استخدامها أيضاً، وهذا ما حصل في لبنان، حين درج بعضهم على استخدام عطور مخدرة لاصطياد ضحاياهم من النساء، من الشوارع وفي سيارات الأجرة، وبعد ذلك يتم سرق حليهن وفلوسهن واغتصابهن إذا لزم الأمر. ومن بين ما قرأت عن حادث العتبة نصائح قدمها أحد الضباط المتقاعدين الذي نصح الفتاة بالاستغاثة لأن الله زود النساء بأجهزة استغاثة صوتية يعرفها الجميع، على حسب كلامه، ومنها أيضاً أن ترد الفتاة بحزم على أي محاولة تحرش أو مضايقة، ويقول إن بعض الفتيات في مثل هذه المواقف يلتزمن بالصمت سواء بدافع الحرج أم اعتقاداً أن عدم الرد يعني أن الفتاة مؤدبة، بينما لا يدركن أن الثقلاء الذين تعودوا معاكسة النساء يعتقدون أن صمت المرأة فيه تجاوب، والسكوت علامة الرضا، إضافة إلى أن المعاكس شخص جبان سوف يطلق ساقية للريح عند أي استغاثة أو رد حازم عليه. أما أهم نصيحة يقدمها فهي تحذير النساء من ارتداء الملابس المثيرة، سواء القصيرة أم الضيقة والتي تكشف تفاصيل الجسد بطريقة استفزازية، وينصح كذلك بعدم الإفراط في وضع الماكياج والمساحيق، فهذا الماكياج وتلك الزينة المبالغ فيهما قد يعطيان انطباعات غير سليمة عن شخصية الفتاة. ولأن النساء لا يمكنهن التضحية بالماكياج ولا بالزينة ولا بالأناقة، فإن مثل نصائح هذا الضابط الخبير لن تجد آذاناً صاغية منهن، ولكن يبدو أن بعض دور الأزياء والأناقة شعر بتأنيب الضمير ووخزه، لأن الجمال والرشاقة والفخفخة التي أرادتها هذه الدور لزبائنها جاءت وبالاً على النساء، حيث صرن طريدات القناصين والمغازلجية، سواء كان هؤلاء أسوياء وقصدهم شريف، أم منحرفين ومجرمين. فقد قرأنا منذ يومين أن كبريات بيوت الأزياء العالمية أجمعت على أن تصنع للمرأة للموسم الحالي ولعام ٩٣ أزياء تظهرها في أوضاع رثة وبائسة، متحملة بذلك مغامرة التعرض للكساد والركود، في سبيل حماية الزبونات اللطيفات من الحشرية والمزعجين، وعدم تعريضهن لحوادث بشعة كالاغتصاب. ولو أن هذه البيوت نفذت خطتها ولم تتراجع، فإن شوارع العالم، ومنها شوارعنا بالطبع، سوف تمتلئ بالأسمال والخرق، وبالألوان الكابية الحزينة، وسنجد النساء في هيئة شحاذات يملأن الطرقات والمحلات، ونعرف أن ذلك لن يسعدهن ولن يطقن احتماله، حيث المرأة لا تستطيع أن تمشي في شارع دون أن تلفت إليها الأنظار، إضافة إلى أنه لن يسعد الرجال أيضاً، ممن يتسلون في الشوارع بالفرجة على الجنس اللطيف، وسوف يلعن هؤلاء وأولئك من الجنسين اليوم الذي فكرت فيه دور الأزياء في تلك الموديلات الشحاذية.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()