عبد الحميد أحمد

كنادير شوارتزكوف

عند الشباب مواهب تفوق الخيال، تعكس نفسها في الابتكارات والصرعات التي لا تخطر في البال، ولعل هذه تتفوق حتى على ابتكارات شعراء الحداثة، الذين نقرأ لهم أحياناً أن نملة ذات كرافتة زرقاء تقود صاروخاً من السكر، أو أن أحدهم، أي من شعراء الحداثة، يحك ظهره بذيل قطة عرجاء، وكل ذلك بالطبع في قصائد ينشغل عليها نقاد وكتاب وهم يحللونها ويفسرونها ويحاولون إقناعنا، نحن المتخلفين، بها.

ولا نريد أن ندخل طرفاً مع هؤلاء حتى لا نصير مجانين، بعد أن نصدق أنهم على حق وأننا نحن الذين لا نفهم، ونعود للشباب الذين لو رأيت أحداً منهم وسألته عن كندورته التي يرتديها لقال لك، إنها شوارتزكوف، أو باتريوت.

وعند الخياط قبيل العيد، عدد لي هذا أصنافاً من هذه الأقمشة: فهذا القماش عاصفة الصحراء، وهذا سكود، وهذا أم المعارك، ولما قلت له إنني مدني ولست عسكرياً، قال: خذ مرسيدس إذن، ومرة أخرى أقول له: مستواي من تويوتا ونازل، هل عندك أقمشة داتسون وهايونداي وسوزوكي؟ ثم عدد أسماء أخرى شاعرية: سلطانة، عمر الخيام، عمر المختار وأخرى.

وعند محل العصير، لا تطلب كوب جزر أو موز باللبن، بل أطلب كوكتيل مارادونا، أو عصير ميحد حمد، أو شراب عدنان الطلياني، لكي تكون في مستوى شباب اليوم.

وقبل ذلك رأينا إبداعات هؤلاء على سياراتهم، ليس في الزوائد التي تحول السيارة إلى مركبة فضاء أهم من ديسكفري أو كوسموس، بل أيضاً في الشعارات الغربية والكتابات الأغرب التي يقول لك بعضها: لا تتبعني، فأنا مخطوبة، أو انتبه فالسائق رامبو، أو خليك عند أمك أنت مش قدي…، وغيرها من العبارات الطريفة أو الشعارات الرياضية التي تكشف عن نمط من التفكير والسلوك أو الانتماء المتعصب لنادٍ ما.

وفكرت، أنه مادام عند الشباب كل هذه الطاقة والموهبة لابتكار أسماء وشعارات، سرعان ما تروح وتنتشر بينهم، حتى تصير مثل اللغة السرية الساحرة يتداولونها ويقدمون عليها، فلماذا لا نستغل مثل هذه الموهبة والطاقة في ابتكار وسائل وأساليب تساعدنا على بعض الأنشطة، التي نقصد من ورائها التوعية، كأسابيع المرور والبيئة والصحة وغيرها، فنشرك هؤلاء الشباب في تأليف شعاراتها بدلاً من الشعارات القديمة التي لم تعد تقنعهم ولا تثير اهتمامهم كشعار لا تسرع الموت أسرع، أو حافظ على البيئة، البيئة تحافظ عليك.

ولو أن الشباب اشتركوا في مثل هذه الأسابيع لرأينا عندنا اليوم طوفاناً من هذه الجمل الطريفة التي تنتشر فيما بينهم، فعن السرعة يمكن أن نجد الشعار التالي: السرعة ضرورية للوصول إلى القبر، وعن الرادار: رادارك يا حبيبي ولا رادار الشرطة، وعن إشارة المرور: لون لك ولون عليك أو: الحمراء أحسن مكان لشريط الكاسيت الطيار.

أما عن الصحة والبيئة فنجد: درهم صحة ولا ألف طبيب حكومي، أو: البيئة لا تحب التشفيط.

وأعرف أن مثل هذه الشعارات لا ترقى إلى مستوى ما يمكن أن يبتكره شبابنا العباقرة، لأن فيها شيئاً من المنطق والمعقول، لذلك فإنني أدعو اليوم هؤلاء الشباب لمسابقة ابتكار شعارات من الآن لأسبوع المرور المقبل ولأسبوع الصحة ولأسبوع البيئة ولغيرها من الأسابيع والمناسبات، بما في ذلك، يوم الشجرة ويوم الأم ويوم التدخين، على أن ترسل هذه الشعارات إلى هذه الزاوية قبل إغلاق مظاريف المناقصة يوم الاثنين المقبل، ولهم عندي جوائز ثمينة لا تقل عن كنادير شوارتزكوف أو عصير مادونا.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.