عبد الحميد أحمد

انتخابات

في شهر نوفمبر من العام الماضي، وجدت النمسا نفسها أمام مأزق، حين أعلن كورت فالدهايم عدم رغبته في ترشيح نفسه لولاية ثانية كرئيس للنمسا.

أما المأزق، فهو عدم وجود من يرغب في أن يصبح رئيساً للنمسا من بين النمساويين لأنهم شبعانين ديمقراطية، مما دفع بإحدى الصحف إلى تقديم اقتراح شوارزينجر، على اعتبار أنه من أصل نمساوي، غير أن هذا الممثل انضم بدوره إلى قائمة الرافضين الزاهدين عن منصب الرئيس، فتقدم آخرون باقتراح يقضي بإلغاء منصب الرئاسة كله، وبلاش وجع دماغ.

ثم عرفنا هذه الأيام، أن هناك أربعة مرشحين تقدموا للمنافسة على منصب الرئيس في الانتخابات التي تجرى حالياً، ولا أعرف كيف تم إقناع هؤلاء للدخول في المنافسة، وأغلب الظن أن النمساويين تعهدوا باحترام من يطلع رئيساً، وعدم رميه بالبيض والطماطم مهما تكن الأسباب، وبهذا التعهد خرجت النمسا من مأزقها.

ومثل النمسا، إيطاليا التي وجدت نفسها فجأة بلا رئيس ولا حكومة، حيث استقال هذان، رئيس الوزراء ولحقه الرئيس من منصبيهما، لتبقى البلد ماشية على حل شعرها من غير حكومة، تصوروا!

غير أن إيطاليا ليست النمسا، فهذه، أي إيطاليا، فيها عرق من عندنا، أي من العالم الثالث، ومثلما تنافس في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مطلع الشهر الماضي 247 حزباً مثّلهم أحد عشر ألف مرشح، بما في ذلك زعماء المافيا والمجرمون وممثلات العري، وأحزاب مثل حزب الحب وحزب ربات البيوت وحزب المعاشات وغيرها من الأحزاب العجيبة، فإنها لن تقع في مأزق البحث عن مرشح للرئاسة، إذ سرعان ما سيتقدم لهذا المنصب الآلاف، بمن في ذلك مرشحون عن طباخي السباجيتي وقتلة عتاة من المافيا ومهربي الحشيش ولصوص السيارات، وحتى الكورسيكيون المشهورون بكسلهم وحبهم للخمول لن يترددوا في المنافسة على الفوز بمنصب رئيس إيطاليا.

أما ألمانيا، فإن المتوقع أن يستقيل هيلموت كول أيضاً، بعد أن قدم وزير خارجيته جينشر استقالته المفاجئة، وبعد أن قادت زعيمة اتحاد العمال إضرابات واسعة لم يحدث منذ 20 عاماً مثيل لها، ورغم أن كول له فضل توحيد ألمانيا، إلا أن الألمان المعروف عنهم بأسهم وسرعة غضبهم، لم يترددوا في رميه بالبيض مرات عديدة، احتجاجاً على بعض سياساته.

وندخل في الموضوع فنقول، إن موسم الانتخابات الحالي في أوروبا، أظهر أن أكثر من بلد أوروبي، كالنمسا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا، ولم يفلت من هذا إلا بريطانيا التي حسمت أمرها، عنده أزمة في الحصول على رئيس مقبول، أي رئيس قادر على تحمل إهانات البرلمانات وانتقادات الصحف وشتم المعارضة وطماطم العمال والفوضويين وغيرهم ممن لا يعجبهم العجب، وكل هذا بالطبع من أصول لعبة الديمقراطية، وفاكهتها وظرفها، ولو أن دولة من دولنا في العالم الثالث عدا الهند، عندها من الديمقراطية، ما عند أوروبا، فإن جولة انتخابات واحدة تكفي لرفع واحد من مواطنيها ليكون رئيساً، ثم ليظل رئيساً بعد ذلك إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلا فكيف يكون عالماً ثالثاً؟

أما عن المرشحين في دول العالم الثالث الحالمين بأن يكونوا رؤساء، فعلى قفا من يشيل، لأنهم محرومون من مثل هذه الألعاب الديمقراطية الحلوة ولا يصدق الواحد منهم أن بإمكانه أن يصير رئيساً بهذه السهولة، لذلك بإمكاننا أن نصدّر الآلاف من الحالمين بالرئاسة إلى أوروبا لحل مشكلات البحث عن رئيس عندها، لو كانت أوروبا تقبل بمثل هؤلاء طبعاً.

وبما أننا في العالم العربي نتسلى بمثل هذا الكلام عن الانتخابات الأوروبية، التي لن نرى مثلها عندنا حتى لو عشنا عمر سيدنا نوح، فإننا نقول لعالمنا هذا: كل انتخابات أوروبية وأنت في العسل، أو في البصل، لا فرق بينهما.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.