عبد الحميد أحمد

إعادة الاعتبار إلى الثدي

من واجبنا أن نساعد وندعم لجنة الرضاعة الطبيعية بالدولة التي أشهرت منذ أيام.

لهذا نبشر أطفالنا حديثي الولادة بأنهم لن يحرموا منذ الآن من الحليب كامل الدسم، الحار والشهي النازل مباشرة من الينبوع إلى أفواههم، وما عليهم إلا أن يجهزوا شفاههم بالتدريب على أصول الشفط، والعض ممنوع يا حلوين. ثم إن الأمهات إذا استجبن لبرامج وحملات هذه اللجنة، وهداهن الله إلى سواء السبيل ووافقن على إطعام صغارهن، فمعنى ذلك أن جيلاً قادماً من الأبناء سيكون بمواصفات مختلفة عن الجيل الحالي، فالجيل الجديد الشارب من حليب أمه سيكون قوي البنية معافى من الأمراض شديد الذكاء، يعني سوبرمان، بخلاف جيلنا هذا من أطفال النيدو والكليم والرينبو وإل. اس 26 والميلوبا، الذي نراه منتفخاً كالطبل لكنه يسقط عند أول دفشة وعند أول امتحان في المدرسة فهو من وزن الريشة والذبابة والنملة والصرصور.

والمعنى بعد ذلك، أن الجيل الجديد سيكون هو عدة المستقبل وأداة البناء والعمل، وسيكون أشطر من الجيل الحالي الذي لم يشرب من حليب الأمهات، ولم يرتو من عطفهن وحنانهن، بقدر ما شرب على يد المربية وتمرمط بين يديها وفي أحضانها الباردة.

علاوة على ما سبق، فإن إعادة الاعتبار إلى أثداء الأمهات ودورها سيزيد من الروابط والعلاقات الاجتماعية بين أبناء الوطن، فزمان كان عند الواحد منا أم ثانية أرضعته، وعدة أخوة وأخوات من الرضاع، اشتركنا معاً ونحن أطفال على ضرع واحد، واستمر بعضنا على ذلك حتى عندما طلعت له أسنان وأنياب، عكس اليوم، حيث لا ضرع ولا زرع، ولا علاقات ولا تفاهم، إلا مع البشكارات والمربيات، ولا غذاء إلا غذاء المعلبات والديب فريزر والثلاجة.

لكن سيبقى على هذه اللجنة مواجهة مشكلة صعبة، هي إقناع الأمهات الحاليات، وكلهن من وزن الذبابة، بضرورة مقاطعة محلات التخسيس، والعودة إلى التغذية الصحيحة وإلى الوزن الثقيل، بحيث تستطيع الواحدة منهن در الحليب لطفلها، حتى لو ضحت بقوامها النحيل وخصرها الرهيف وصدرها المسطح.

وربما كان على اللجنة شن حرب شعواء على محلات التجميل هذه، التي تدفع لها نساؤنا المال بغرض تخفيف الوزن، عن طريق تجويعهن ومنعهن من الأكل الدسم، مع أنهن يستطعن أن يجوعن أنفسهن في البيوت ببلاش ومن دون أن يخسرن فلساً لو كان فيهن ذرة عقل وحسن تدبير.

وشخصياً أشك في أن اللجنة ستنجح في هذا المسعى، لأن المرأة عندنا بعد أن صارت معاصرة وتتلقى أسلوب حياتها من مجلات الرشاقة والريجيم لن تتخلى بسهولة عن إنجازاتها البدنية وانتصاراتها الجمالية، لأنه لن يكون بإمكانها الذهاب إلى السوق وصدرها أمامها حتى لو استعانت برافعة من نوع الكرين لمساعدتها على حمله، فيما لو هي استمعت لنصائح لجنة الرضاعة.

وأتصور أن الأمهات إذا زادت الضغوط عليهن من هذه اللجنة لكي ينتجن الحليب الطازج من أجل فلذات أكبادهن، فإنهن سيلجأن كالعادة إلى المربيات الفلبينيات للقيام بالنيابة عنهن بهذا الدور، وعلى هذا سنرى هؤلاء المربيات الناحلات والقصيرات حالياً، وقد انتفخن من الشحم واللحم، بفضل المؤونة والتغذية اليومية التي ستوفرها لهن الأمهات، ابتداءً من عسل ملكة النحل مروراً بالفستق والمكسرات وانتهاءً بالموز واللوز والكنافة وكافة أنواع الأطعمة المدرة، لكي يقمن بتلقيم ضروعهن المليانة لأولادنا، فيما الأمهات المخلصات لمحلات التخسيس ولمواصفات الرشاقة والخفة، يتفرجن على صغارهن وهم نازلين لهط من حليب المربيات السمينات.

وعندها سيكون لكل ولد من أولادنا أقارب فلبينيون من الرضاعة، فهذا له أخ اسمه فيدل راموس، وذلك له أخت اسمها كورازون أكينو وثالث له أم اسمها إيميلدا ماركوس والله أعلم.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.