عبد الحميد أحمد

خرفان يا خرفان

لم أكن أعرف أن للخرفان كل هذه الشعبية حتى صباح أمس، حيث ورد إلى هذه الزاوية عدة تعليقات وردود أفعال على ما كتبناه عن الخرفان، مما أعطاني مادة للكتابة فيها على مدى أيام العيد، مع الاحتفاظ بالطبع بحقوق المؤلفين من القراء وغيرهم، وهديتهم مني الحصول على نسخة من الجريدة مجاناً خلال أيام العيد لمتابعة مسلسل الخرفان هذا، شريطة أن يثبت الواحد منهم للموزع أنه صاحب خروف، وإذا كان قد نحر خروفه، وأكل لحمه، فعليه إبراز بطاقة الخروف التي تثبت ملكيته له، وعليها صورة الخروف الضحية بالطبع، مع شهادة ذبح موثقة ومعتمدة من مقصب البلدية.

ثم إنه طوال صباح أمس انشغل بعض الزملاء بالحديث عن الخرفان وذكرياتهم معها، وبعضهم استزاد فراح يتذكر أشهر الولائم التي مرت عليه في حياته، وكمية اللحم التي استطاع أن يهبرها خلال السباق، مما سيكون لنا معها وقفة أخرى.

والحمد لله، أن المحتجين على حديث الخرفان كان عددهم قليلاً، وهؤلاء بالطبع لم يكن الكلام موجهاً لهم من أصله، لأنهم كما ذكرنا أمس ليسوا من ضمن الذين صدقوا كلام عنزة نيجيريا، فهم بالضرورة لن يصدقوا كلام خرفاننا، لذلك فإنني اتهمهم واحداً واحداً بالعلمانية والإلحاد، وجريهم وراء الكفار الغربيين وأفكارهم المستوردة التي تنكر حدوث المعجزات في هذا العصر.

ثم إن هؤلاء المحتجين يستنكرون على الخرفان إعطاءها الفرصة والحق في التعبير عن مشاعرها ولو مرة واحدة في حياتها، مع أنهم نازلون دب في لحمها وشحمها أيام العيد وغير العيد، مما يذكرنا بصدام حسين وأمثاله من حكام العالم الثالث، وهؤلاء لهذا السبب ليس لهم عندنا كلام.

ونعود إلى جماعة مشجعي الخرفان، فنقول إن اهتمامهم الكبير بحديث هذه الخرفان عكس مللهم وقرفهم من حديث البشر وأفعالهم، والتي يسمعون بها كل يوم في الإذاعات ويقرأونها في الصحف، ثم إن هذا الاهتمام عكس نفسه في حال الطوارئ التي أعلنتها المقاصب الحكومية عندنا حتى أن مقصب بلدية دبي قرر إلغاء إجازات الذباحين والعاملين (والخرفان طبعاً لأنها في حالة استنفار قسري) خلال أيام العيد لمواجهة الطالبات الزائدة، كما قرر الاستعانة بقوات إضافية من الشرطة لضبط الأمن في المقصب ولتنظيم تدفق الناس بخرفانهم إليه.

وشخصياً قررت، استجابة لمشجعي الخرفان ومحبيها إرسال مندوب خاص إلى المقصب طوال أيام العيد، لكي يوافيني بمشاعر الخرفان وتصريحاتها واحتجاجاتها قبيل لحظات من مواجهة مصيرها، لكي أنقلها للقراء الأعزاء على الهواء تحت شعار «الذبح المباشر».

واكتشفت أمس من خلال تفاعل المشجعين مع كلام الخرفان حكمة جديدة تقول من خرفانكم نعرفكم، أو أرني خروفك أقل لك من أنت، حيث إن العراقي له طقوس خاصة مع خروف العيد تختلف عن السوداني والمصري، ولكل شعب عاداته وتقاليده، فيما يتعلق بتعامله مع الخروف، فإذا شاهدتم خروفاً تلطخت فروته بالحناء وزينت اليته بالمرايا فاعرفوا أن صاحبه عراقي، وإذا شاهدتم آخر حالق على الزيرو وجالس في البلكون، يزعج الجيران بمأمأته المستمرة، فصاحبه مصري، وإذا شاهدتم خروفاً علق في رقبته، كراكيش وجهاز راديو صغير وعلى رأسه طاقية ملونة، فصاحبه باكستاني وهكذا، وقال قارئ عراقي أمس إنه اشترى خروفاً من السوق منذ خمسة أيام، غير أنه اكتشف أن خروفه مريض، لأنه على حد قوله، لا يقترب من الأكل والطعام الذي يقدمه له حين أخبرته أن هذا الخروف الذكي لن يأكل ولا لقمة من يديك، لأنه خائف من أن تكون من جماعة الأشاوس إياهم، ولابد أن تقوم ببناء الثقة بينك وبينه، وأن تشكل لجنة وساطة دولية تتولى إدارة المفاوضات بينكما، لكي يقتنع الخروف بأنك لست من أشاوس صدام، وإنما أنت ضحية مثله، وتشترك معه في مصير واحد. ومازلت انتظر أخبار هذا الخروف، ونتائج هذه المفاوضات التي لابد أنها ستكون طويلة وشاقة، مثل مفاوضاتنا مع إسرائيل، التي لا تثق فينا، حتى بعد أن جلسنا معها على الطاولة لنتفاوض، ونحرنا الذبائح احتفالاً بالسلام المقبل، لكن، يا خسارة ما ذبحنا.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.