عبد الحميد أحمد

الخروف الأبيض ينفع في اليوم الأسود

من المؤكد أن الخروف السوداني في الخرطوم، وبقية المدن السودانية، هو أسعد الخرفان على الإطلاق في هذه الأيام المباركة من عيد الأضحى، وبمقدار سعادة وفرح هذا الخروف بنجاته من الذبح، ستكون أحزان وأكدار المواطن السوداني، الذي ربما مر عليه العيد دون أن يتذوق لحمة معتبرة، وهو أمر يحدث لأول مرة في تاريخ السودان الحديث.

ومثلما يقول المثل مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن مصائب الأخوة السودانيين انعكست فوائد للخرفان حيث إن ارتفاع أسعارها أنقذها من الذبح، وسبب حسرة للسوداني، الذي لا يمكنه أن يتحمل كعادته مرور العيد عليه دون أن يشتري خروفاً ولو اضطر لبيع جزء من أثاث بيته أو الاستدانة من صديق أو قريب موسر، كل ذلك إيماناً بأن الخروف الأبيض ينفع في اليوم الأسود.

وندخل في الموضوع فنقول، إننا إذا أردنا أن نعرف نكبة الأخوة السودانيين ومأساتهم الحالية، فعلينا أن نعرف أولاً علاقة كل مواطن سوداني بخروف العيد، وحبه الشديد له وتمسكه به أشد التمسك، على عكس بقية المواطنين العرب، فيما عدا المصريين ربما.

فالسوداني يفعل المستحيل من أجل خروف العيد هذا، مهما كانت ظروفه المادية والمعيشية، وأعرف زميلاً مرت عليه العام الماضي ظروف صعبة هنا، لكنه حين جاء العيد، استدان خمسمائة درهم من مجموعة من الأصدقاء، شكلوا صندوقاً خيرياً يشبه صندوق النقد الدولي لمساعدته، لكي لا يمر العيد عليه وعلى أولاده من دون خروف، وإلا فليس من معنى للعيد عنده.

وهكذا اجتاز الأزمة واشترى خروفاً وعيّد مع عياله عيد الأضحى على الرغم من انقطاع الكهرباء، من بيته لعدم تسديده الفاتورة.

ويمكنكم تصور حالة السوداني الآن في بلده، حيث صار سعر الخروف بفضل سياسات الإنقاذ، حوالي سبعة آلاف جنيه سوداني، أي ما يعادل راتب موظف عادي في السودان لمدة خمس أو سبع سنوات، هذا بافتراض أن الخرفان في السودان لا تزال موجودة، ولم يهلكها الجوع بعد، أو لم تؤممها حكومة الإنقاذ لكي تطعم بها الجيش استعداداً لتحرير الجنوب، كما تدعي هذه الأيام، وكما تعودنا من مثل هذه القيادات العربية في تاريخنا المعاصر والتي كان من شعاراتها: كل شيء من أجل المعركة، بما في ذلك الخرفان.

وربما أن أخانا السوداني في بلده، استطاع هذا العام اجتياز محنته بتشكيل لجان أو جمعيات على مستوى الحي للقيام بعمليات شراء جماعية للخرفان، عن طريق التبرع، ثم بتقاسم لحمها، وإلا فإنني أتوقع شخصياً أن يتم سريعاً تشكيل حزب جديد في السودان، من المواطنين دعاة العدالة ومن محبي الخرفان، يسمى حزب الدفاع عن الخرفان، أو حزب تحرير الخرفان من أسعار الطغيان، لينضم إلى إخوانه وأخواته من أحزاب المعارضة في ائتلاف واحد، لكي لا يأتي عيد الأضحى المقبل إلا وقد تحققت أبرز شعاراته الوطنية: خروف لكل مواطن، ولا عيد من دون خروف.

ونختم اليوم سالفة خرفان السودان بهذا الخبر الذي وردنا عبر الهاتف من مواطن سوداني، يقول: بأن الخرفان رفعت برقية تهنئة وشكر للحكومة على إنقاذها هذا العام من سواطير الجزارين ومن أيدي وسكاكين المواطنين السودانيين.

ولو أن خرفان السودان تكلمت، كما تكلمت عنزة نيجيريا، فإنني أتوقع أن تبادر بإرسال برقية تهنئة وشكر للحكومة على إنقاذها هذا العام من السواطير المسنونة اللامعة، وفوقها بيان تأييد كامل للحكومة على سياساتها الانقاذية المجيدة.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()