عبد الحميد أحمد

خرفان أمريكا

تلقى زميلنا أحمد بن بيات بطاقة تهنئة بالعيد، من كل من كريغ وديبي فان اركل، وهما كبش ونعجة أمريكيان، وبعد تهنئته أبدياً سعادتهما بلقائه السابق، وتمنيا عليه لو أن بإمكانه زيارتهما مجدداً في المستقبل القريب.

وبما أن البطاقة قادمة من أمريكا، فقد اقتضت اللياقة والأدب أن يرد عليهما الزميل ببطاقة أحسن منها، وبعد شكرهما على مشاعرهما الدافئة وعلى دعوتهما له، ختم البطاقة بتوقيعه الحلو مع جملة: حصل لنا الشرف بالمعرفة.

ولأننا مازلنا في مسلسل الخرفان بمناسبة عيد الأضحى، فقد رأينا اليوم أن نتوقف عند خرفان أمريكا، التي زارها زميلنا على الطبيعة وتعرف إليها عن كثب، وجاءنا بانطباعات جميلة عنها، أقلها إنها خرفان متحضرة، بدليل إرسال اثنين منها بطاقة معايدة له، وهو مالا تفعله خرفاننا ولا خرفان العالم الثالث، سوى أننا نأكل لحمها، ثم نرميها عظاماً للكلاب وفي صناديق القمامة، دون أدنى شفقة ولا أي حوار إنساني معها، كالذي يقوم بينها وبين الغربيين خاصة الأمريكان.

ثم إننا نتحدث عن خرفان الغرب، لكي لا تتهمنا هذه بالتفرقة العنصرية والتحيز القومي لخرفاننا، فلا نورد لها ذكراً، فترفع علينا شكوى عند مجلس الأمن، فتحق علينا العقوبات الاقتصادية والحظر الجوي والبري والبحري الشامل، فينالنا ما نال ليبيا وغيرها من الدول المتهمة بالإرهاب والعنصرية والتطرف، كما أننا من الذين يعرفون حدودهم في ظل النظام العالمي الجديد، وإننا لسنا قد خرفان أمريكا، ولا قد غضبها أو زعلها.

والحكاية ببساطة، أن زميلنا أحمد زار مؤخراً أمريكا مع لفيف من الصحافيين العرب، واشتمل برنامج زيارته على زيارة لإحدى المزارع الأمريكية في الريف بولاية أيوا، وفي المزرعة استقبلهم في ضيافته المزارع الأمريكي فان اركل بالحفاوة والتكريم، وشملت الحفاوة تنظيف وتلميع وتشميع قطيع الخرفان في مزرعته، لكي تكون بمنظر لائق بالضيوف، وعند وصولهم، شاهدوا المزارع والخرفان يصطفون لاستقبالهم وتحيتهم، هو يلوح بيديه ويبتسم، والخرفان تطلق في الهواء واحداً وعشرين طلقة عبارة عن مأمأة موسيقية تم الإعداد لها جيداً.

وفي جولة بالمزرعة برفقة المضيف الأمريكي، اكتشف زميلنا أن خرفان فان اركل متحضرة ومؤدبة ونظامية من الطراز الأول، فعند ساعة معينة، يضغط المزارع على زر كهربي، ليتلوه فوراً صوت جرس معين، فتنتقل الخرفان دفعة واحدة وبروح جماعية عالية، إلى مكان بعيد في المزرعة لكي تتبول، فهذا وقت راحتها، ثم في ساعة أخرى معينة، يضرب جرس آخر، فتعرف أن هذا وقت النوم فتنتقل على عجل إلى الحظائر في ترتيب ونظام، فلا تدافع ولا زحمة ولا هيصة.

ثم لاحظ (وكل هذا الكلام على ذمته بالطبع) أن الخروف الأمريكي مؤدب ويعرف حقوق الآخرين، حيث يرعى العشب في حدود مزرعته فقط، ولا يتجاوزها إلى مزرعة الجار، رغم عدم وجود شبك يفصل بين المزرعتين.

وفي المساء دعاهم المزارع إلى بيته ليعرفهم على شجرة عائلته الكريمة، فأخرج لهم ألبوما ضخماً، وعلى غير ما توقعوا من رؤية صور لبشر، فوجئوا بصور قديمة لخرفان كثيرة، وراح فان اركل بكل اعتداد يشرح لهم السلالة بدءاً من الجد الأكبر كريغ الأول، وهو الكبش ومن الجدة الكبيرة ديبي، وحتى كريغ السادس عشر بعد الألف، وحرمه المصون ديبي التاسعة عشرة بعد الألف، وهما اللذان تلقى زميلنا بطاقة المعايدة باسمهما.

لكل هذا، يدعي زميلنا أن خرفان أمريكا التي لها أسماء مثل البشر مؤدبة ومتحضرة، غير أنه لم يقترح بعد استيراد أحدها كخبير أجنبي ليعلمنا نحن شعوب العالم الثالث النظام والوقوف في الطابور واحترام حقوق الآخرين والأدب، مع أنني شخصياً أيدته في إرسال بطاقة عاجلة للخروفين كريغ وديبي رداً على بطاقتهما، ومعها شكر جزيل على عواطفهما النبيلة، نكاية في خرفاننا التي لم تعرف الأدب ولا الحضارة.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.