عبد الحميد أحمد

الحب من أول نظرة

يتحول معرض الكتاب السنوي في الشارقة، إلى فرصة للكلام عن الثقافة وعن الكتاب في كل الإمارات، وهو أمر حميد يدل على تزايد اهتمامنا، ولو إعلامياً بالكتاب وأهميته.

والعادة، أن نملأ خزائن أولادنا في البيوت باللعب، وأن نملأ لهم مطابخنا وثلاجاتنا بالآيس كريم والحلويات والمشروبات والمملحات، ونادراً ما يفكر أحدنا في وضع كتاب في خزانة الطفل، ويمكن أن نعرف فداحة مثل هذا الخلل، برصد مصروفنا السنوي الخاص بالأطفال، لنجد أن معظمه يذهب إلى اللعب والملابس والمأكولات من التي ذكرناها، ولا يذهب شيء منها إلى الكتاب، إلا فيما ندر، وبطريق الصدفة ربما.

ولا نريد أن يفهم أحد أننا ندعو لتجويع أطفالنا وحرمانهم من اللعب والمباهج الأخرى، غير أننا نتحدث عن ضرورة إضافة بهجة المعرفة إلى اهتماماتهم وإلى سلوكهم اليومي، وألا نترك هذه البهجة يحصلون عليها صدفة أو عرضاً، أو من وسائط قلما تزيدهم معرفة، بقدر ما تزيدهم حماقة حضارية أو سلوكية، مثل التلفزيون ورسومه المتحركة والفيديو، وأجهزة الكمبيوتر التي نستغلها للعب والتسلية فحسب، فتكون النتيجة جيلاً مستهتراً لا مبالياً من الذي نراه يصيح في الطرقات بحجة قتل وقت الفراغ، وجيلاً خاوياً يتلقى ما يأتيه بسهولة بلا اكتراث ولا حس نقدي يساعده في حسن الاختيار، بين ما هو نافع وما هو ضار.

وما نراه الآن، أن جيلاً بأكمله فلت من بين أيدينا، وهو جيل تربى على الاستهلاك وسهولة اقتنائه لكل شيء، ولم يعد الكتاب أو القراءة أو الثقافة تعنيه في شيء أو يهمه أمرها، أو يدرك لها منفعة وفائدة، غير أننا نتحدث عن أطفالنا، ممن لم يدركهم الخراب بعد، فننقذ ما يمكن إنقاذه قبل خراب البصرة.

من هنا ننظر إلى معرض الكتاب السنوي بالشارقة، كتقليد جميل يرسي في بلادنا لموازنة ما اعترانا من ذبول حضاري في مقابل ما يواجهنا من طوفان استهلاكي في كل شيء، بدءاً من البطن وحتى العقل، باعتماده على تسويق الكتاب، لا أية سلعة أخرى من التي تروج لها معارض أخرى كبيرة، أو وسائل الإعلام في دعاياتها التجارية أو المحلات والمراكز التجارية الضخمة، حتى فاق عددها وما تمارسه من نشاط هذياني محموم قدرتنا على التحمل والاستيعاب.

ولإنقاذ أطفالنا من هوس الاستهلاك وضياعه، لابد من أن نبدأ من الصفر، والصفر عندنا للأسف هما البيت والمدرسة، اللذان يأتيان في الدرجة العاشرة بعد الألف من اهتمامنا كأولياء أمور وآباء وأمهات، فنبدأ بخلق علاقة مبكرة بين الطفل والكتاب، الذي هو بوابة كل معرفة، وذلك بإدخاله عنصراً في حياته، إلى جانب اللعبة ووسائل الترفيه الأخرى.

ولا يمنع هنا من أن نبدأ بالكتاب الترفيهي، الذي لا يمله الطفل، ويثير امتعاضه، كما يفعل الكتاب المدرسي مثلاً، وذلك بالتركيز على صناعة مثل هذا الكتاب الجميل في إخراجه والمثير والمسلي في مادته، أياً ما تكون هذه المادة، قصة أو حكاية أو حديثاً عن حيوان أو طبيعة أو حتى كلمات متقاطعة مبسطة وألغاز وتسالٍ، من الذي نرى أننا نفتقده إلى حد كبير في عالمنا العربي.

ثم إننا كآباء، لا بأس من أن نساعد أولادنا على اقتناء هذه النوعية من الكتب، أو أن نرد على تساؤلاتهم، وما أكثرها، بإحالتهم إلى كتب معينة يستقون منها الإجابات وباصطحابهم إلى المكتبات العامة أو التجارية للبحث معهم عن مثل هذه الكتب.

أما المدرسة، فيتعين عليها إدخال مادة المكتبة المدرسية ضمن المناهج، بحيث يصير لهذه المادة درجة نجاح أو رسوب، ثم إن التعليم الأساسي ما قبل الجامعي سوف يساعد على خلق العلاقة بين الطالب والكتاب غير المدرسي، بإدخال مادة البحث الحر إلى مواد النجاح والرسوب، كما هو الحال في دول أخرى متقدمة، ولأن مثل هذه العلاقة المبكرة التي نقصدها لها علاقة بالحب من أول نظرة فإننا سنتحدث عن هذا الحب غداً.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()