عبد الحميد أحمد

أدب.. بلا قابلة

لا فائدة من كثرة النتاج الأدبي ما لم تمش معه، وجنباً إلى جنب، الكتابات النقدية، التي من شأنها أن تنير النصوص وتضيء عوالمها الداخلية، وتردم الفجوة بينها وبين القراء، كما أن من شأنها أن تشير إلى مواقع القوة والجمال في النص، وإلى مواقع الضعف والقبح فيه أيضاً.

النقد بالنسبة للأدب مرآته الصقيلة، ولا يمكن الاعتماد دائماً على مرآة الجمهور وسواد القراء، فهذه المرآة ليست صقيلة، وليست عاكساً أميناً لجودة النص وخصوصياته، إذ هي محكومة بمعايير عامة، عادة ما تكون غير علمية وغير صحيحة، بعكس مرآة النقد التي تحكمها معايير جمالية ومقاييس نقدية متعارف عليها، حتى وإن اختلفت مناهج النقد ومدارسه.

في الإمارات، نشهد عطاء أدبياً معقولاً إذا قسناه بسنوات عمره القصير، خاصة في حقلي القصة والشعر، لكن هذا العطاء لا يجد القابلة النقدية التي تتلقاه وتخضعه للدراسة، بحيث تفيد الأديب من ناحية، وتفيد القارئ من ناحية أخرى.

وتكاد الساحة تخلو من الناقد المجتهد، الذي يصرف وقته وجهده واهتمامه إلى النصوص الأدبية ودراستها من منظور نقدي، وهذا خلل واضح في حياتنا الأدبية لا يمكن سده إلا بوجود الناقد المتمكن من أدواته ومنهجه، لكن السؤال القائم في الطريق هو: كيف يمكن خلق هذا الناقد؟ وكيف يمكن سد هذا النقص؟

بادئ ذي بدء، لا مناص من أن تلعب الجامعة دوراً كبيراً وأساسياً في هذا المجال، عن طريق تخريج باحثين ومهتمين بالنقد الأدبي والفني من كليات الآداب واللغويات، وإلى الآن لا نجد أي خريج جامعي تخصص في هذا الميدان، كما لا نجد من الجامعة أي اهتمام بهذا الجانب الحيوي، ومكن الأمور الواضحة تماماً خلو كلية الآداب من أي أستاذ مواطن يدرس الآداب، وهو ما يدل دلالة ساطعة على ما نذهب إليه.

كما أن الجامعة يمكنها عبر أساتذتها إخضاع الأدب للدراسة والتناول النقدي، والاشتراك في النشاط الأدبي والثقافي في المجتمع، لكن – ومن أسف – نلاحظ أن هذه المشاركة شحيحة إلى درجة العدم، وإذا حدثت فهي متواضعة وموسمية، كان آخرها مشاركة الجامعة بثلاثة بحوث في ندوة الأدب في الخليج العربي.

ثم إن على الأدباء أنفسهم الاهتمام بهذا الدور، سواء بعقد الأمسيات والندوات النقدية لمناقشة نتاجاتهم واستضافة ناقد عربي أو أكثر بين حين وآخر ضمن هذه الأمسيات أو بعقد الحلقات الدراسية المتخصصة لهذا الغرض مرة كل عام على أدنى تقدير، والتي تأخذ شكل الندوات العلمية المبرمجة بشكل جيد.

ما يدعو إلى إثارة هذا الموضوع ملاحظة أن بعض الساحات الأدبية في مناطق الخليج لم تعد تشكو كثيراً من هذا النقص النقدي، فالسعودية مثلاً يتوفر فيها عدد من المهتمين والباحثين الجادين، ممن ظهروا في جامعاتها أو من بين أدبائها، والبحرين حلت جزءاً من هذا النقص بالاعتماد على الأدباء أنفسهم ممن انبروا وتصدوا لهذه المهمة تعويضاً عن النقص النقدي.. وهكذا.

وما نطالب به ليس مستحيلاً، وليس صعباً، إذ لا نطالب – حتى لا يساء فهم هذا الموضوع – بخلق نقاد بين عشية وضحاها، وإنما خلق الاهتمام النقدي والشغل النقدي الذي بإمكانه ألا يدع الأدب يسير إلى مسارب عديدة وآفاق مفتوحة دون فهم له ولخصائصه ولمميزاته الفنية ولاحتمالات نجاحه أو فشله.

والأهم، الأهم، هو ألا يقف الأدباء حجر عثرة في طريق أي محاولة نقدية، فالأدب لن يزدهر دون هذا النقد، دون هذه المعرفة، وأدب بلا نقد طفل بلا قابلة!

أدب.. بلا قابلة

كل أحد

عبدالحميد أحمد

()