عبد الحميد أحمد

صخرة الكلام

مقولة «الغزو الثقافي» خضعت للكثير من الدراسات والندوات والمحاضرات والمناقشات في الثقافة العربية المعاصرة، وتباينت الآراء فيها كثيراً، وإن كانت غالبية هذه الآراء تجمع على خطورة الظاهرة، ومن ثم تخلص إلى ما يشبه الدعوة إلى ضرورة المجابهة والتصدي إلى العزلة والانكفاء والتمسك بالموروث.

على اعتبار أنه القلعة الحصينة التي تحمي من رياح التأثيرات، خاصة ما سميت بــ «الأفكار المستوردة»، وهي دعوة ضيقة للأسف، وتقع ضمن سياق الصراع السياسي المحكوم بالآنية وضيق الأفق، وليس ضمن الصراع الحضاري العام والشامل والتاريخي.

ويبدو أن موضوعة «الغزو الثقافي» ستظل هماً يشغل بال الكثيرين من المشتغلين في الحقل الثقافي والإعلامي لفترة طويلة، شأنها شأن الكثير من الموضوعات الأخرى التي لا تحظى بالإجماع.

نتيجة لغياب الرؤية المشتركة والواضحة، ونتيجة لاصطراع الساحة الفكرية العربية بالكثير من التيارات والاجتهادات والنظريات التي لم تجتمع على الحد الأدنى المشترك المطلوب من الاتفاق حتى على القضايا الأساسية والجوهرية.

كل ذلك مبرر ومنطقي في السياق التاريخي، لأنه لا يمكن الاتفاق على شيء في مجتمع ينازع إلى التحول، وينزع إلى التغيير ويحلم بالانتقال من طور إلى آخر، دون أن يصاحب هذا النزوع، وهذا الحلم تحول حقيقي في المجتمع البشري، تحول مادي ملموس في الأساس، خاصة في البنى الاقتصادية والاجتماعية، ويضاعف من خيبة الأمل وجود معوقات حقيقية على الأرض، وعلى رأسها قوى تقف ضد أي تحول، وأي تغيير، وأي.. حلم.

نحن إذن، في المجتمع العربي، في مجتمع مجهض، تاريخه منكسر، ومشاريعه غير مكتملة، وحلقات تطوره التاريخي منفرطة، لا تكاد حلقة منها تكتمل حتى تنهار مجدداً. هي حلقة فراغ هائلة، لا المجتمع فيها رأسمالي صحيح وبالكامل، ولا هو في الوقت نفسه نقيض ذلك.

هو شيء من كل شيء ولذلك فالقدم العربية تقف على كل أرض، وهي أيضاً لا تقف على أي أرض!

هو مأزق حضاري، ومأزق تاريخي في الأساس، ووضعية المأزق تفرز الكثير من الثرثرة، والقليل من الفعل، الكثير من الحوارات حول قضايا مهمة، لكن تبقى مثارة باستمرار دون حسم، دون رؤية واضحة بينما القضايا نفسها أصبحت محسومة عند الآخرين ممن حددوا مواقع أقدامهم واتجاه رياحهم.

الحديث عموماً عن «الغزو الثقافي» يتطلب جهداً فكرياً وتنظيرياً عالياً، وأول ما يتطلبه هذا الجهد النظر بعمق إلى داخل المجتمع، وتحديد موقعه في مسار التاريخ، لأن هذه الظاهرة مثلاً لا نكاد نرى لها أي أثر في مجتمعات أخرى لها موقعها القوي في التاريخ المعاصر، إذ إنها لا تشكل ظاهرة ولا تثير مخاوف كالتي نجدها في المجتمع العربي، بل لعلها لم تشكل أي خطر ولا أي إشكال للمجتمع العربي نفسه أيام كانت له القوة والمساهمة في صنع التاريخ والحضارة معاً.

نشير ههنا، وفي سياق الكلام إلى الاستطلاع الجيد الذي قام به الزميل عمر العمر ونشره «البيان الثقافي» حول هذا الموضوع، حيث تباينت الآراء حول الظاهرة، لكن غالبيتها عبرت عن رؤية موضوعية وعقلانية لهذه المقولة، تدل على المقدرة الحقيقية على الغوص إلى الجوهر والعمق، وتناول الموضوع بعقلية علمية منفتحة، وهو أمر قلما نراه في حواراتنا، كما تعني مثل هذه الحوارات تجاوز كونها ثرثرة وانفعالات وضيق أفق إلى رحابة المنطق وعلمية الحديث.

ولهذا، ففي الزمن المنكسر للحديث أهميته، إذ على الأقل يكون صرخة تحاول دفع صخرة سيزيف من أسفل السفح إلى أعلى الجبل، بدلاً من انتظار الجبل كي يحني هامته.

والكلام في زمن ما صخور، وقوة

عبدالحميد أحمد

()