عبد الحميد أحمد

مدارس حكم ذاتي

نريد أن نكون، آباء وإعلاميين ومواطنين بشكل عام، عوناً لوزارة التربية، لا عوناً عليها، في مهمتها التربوية والتعليمية على السواء، غير أن في الوزارة نفسها من ينتمي إليها، في سلك التدريس، هو عون عليها حقاً، وتكفي أي ممارسة خاطئة منه، حتى تنسف جهد الوزارة في أعوام.

وبين يدي اليوم رسالة، بعثت بها ربة بيت وولية أمر تلميذة بعد أن تلقتها من إحدى المدارس، ونشرها يكفي للدلالة على ما نقول، علماً أن الرسالة تحمل اسم وزارة التربية والتعليم واسم المنطقة التعليمية واسم المدرسة، إلا أننا نحتفظ بالاسمين الأخيرين، ونمتنع عن نشرهما.

تقول الرسالة نصاً: لمدرسة (تذكر اسم المدرسة) تصميم خاص للزي المدرسي ترغب في المحافظة عليه، لأنه مظهر من مظاهرها الجمالية تعرف طالباتها بواسطة هذا التصميم، ولا ترغب في استبداله بتصميم آخر، لأي مدرسة مهما بلغ إعجاب أولياء أمور التلميذات بهذا التصميم.

لذلك، تود إدارة المدرسة إحاطة أولياء أمور التلميذات علماً بأن قماش الزي المدرسي لن يوزع على الطالبات هذا العام (المقصود طبعاً العام الدراسي المقبل) وعلى ولي أمر كل تلميذة أن يستلم الزي المدرسي الخاص بابنته من محل (تذكر الرسالة اسم المحل) لتصميم الأزياء، بعد دفع ثمن التفصيل والخياطة، (لكل ثوب 25 درهماً) وستوزع بطاقات بها عناوين المحل مع شهادات آخر العام الدراسي. وتختم الرسالة التي تحمل توقيع مديرة المدرسة بالتالي:

أرجو من أولياء الأمور تقبل هذا الموضوع والموافقة عليه والتماس العذر للمدرسة في اتخاذ هذا القرار وذلك بعد معاناة وجهد في توحيد الزي الخاص بالمدرسة، ولن يسمح (لاحظوا التهديد) لأي تلميذة بارتداء تصميم آخر غير الزي الخاص بالمدرسة في العام الدراسي المقبل 93/1994.

ولا تنسى الرسالة أن تهدينا في ختامها هذا الشعار: إن النظافة والترتيب رمز الحضارة وعنوان الرقي، مما لا خلاف عليه ونبصم له بالعشرة، شاكرين لإدارة المدرسة تذکیرنا به وتعليمنا إياه.

ويلاحظ من صياغة الرسالة مقدار الاستفزاز الذي يمكن أن تسببه لأولياء الأمور، ما يجعلهم يكفرون بمدارس الوزارة وبمن فيها من معلمين ومعلمات، ناهيك عن شبهة التجارة الواردة فيها حين تحاول الترويج لمحل خياطة بعينه، وهو ما تفعله بعض المدارس الخاصة فنعتبرها على طول الخط مخالفة، وتدخل في المحظور وفيما لا يجوز.

غير أن الأهم هو قدرة أي مدرسة على اتخاذ قرار بعدم توزيع الزي المدرسي، والطلب من أولياء الأمور تصميم زي خاص بالمدرسة من لدى أحد المحلات، فيما الذي نعلمه حتى الآن أن تصميم الزي لمدارس البنات موحد، وهو من اختصاص الوزارة، التي لم تصدر فيه قراراً بخلاف ذلك حتى الآن على حد علمنا.

وواضح أكثر من سياق الرسالة أنها وجهت للأمهات بتدبير خاص من المدرسة وبقرار ذاتي منها، بعيداً عن علم الوزارة وتوجيهها، ما يجعلنا نسأل مندهشين: هل حصلت مدارسنا على الحكم الذاتي، فيحق لها تقرير ما تراه من شؤونها، بعيداً عن قرارات الوزارة المركزية ومناطقها التعليمية؟ إذن عقبال إخوتنا الفلسطينيين.

وإذا أضفنا إلى ذلك، ما كنا نسمعه طوال العام من شكاوى متكررة على المدارس، خاصة فيما يتعلق بطلباتها الكثيرة، بما في ذلك لوازم الدراسة من قرطاسية وغيرها، وما تؤكده الوزارة كل حين بمخالفة ذلك لقراراتها وتوجيهاتها، دون أن تجد من يستمع لها من العاملين في حقل التدريس، نصل إلى نتيجة لا ثاني لها، وهي أن مدارسنا تتحول عاماً بعد عام إلى حارة كل منه «ايدوا الو»، على حد قول غوار الطوشة، ما يجعل مدرسيها ومدرساتها بالمقابل دايرين على حل شعرهم، وكل ينفخ في جرابه، فيما بلاويهم تقع على أولياء الأمور، وعلى التلاميذ أيضاً، وكان الله في عون الجميع.

5/5/1993

مدارس حكم ذاتي