عبد الحميد أحمد

الزعل ممنوع والعتب مرفوع

مثلما أن هناك كتاباً يعتقدون أن عندنا من الوقت ما يكفي لحك رؤوسنا وبالتالي قراءة كتبهم التي يتفضلون بها علينا، فإن هناك قراء، يرون أن لهم بسبب قراءتهم لنا، فضلاً علينا، فيطالبوننا بأن نتحول إلى مركز شرطة، أو إلى مختار ضيعة، فنحل لهم مشكلاتهم مهما كانت.

غير أن الكتاب والأدباء، ولله الحمد والشكر لا يطالبوننا بأكثر من القراءة، ربما لكي يشوف بعضهم حاله علينا، مما نقدر عليه ولو نفرغ له وقت الراحة في الحمام بخلاف القراء، الذين كلما قرأوا لنا، زاد اعتقادهم بأنهم يخدموننا ويتفضلون علينا فيصير لزاماً علينا أن نحل عقدهم، ونساعدهم في مشكلاتهم وكأن الواحد منا وزیراً أو مسؤولاً أبهة، لا مجرد کاتب زاوية مفعوص، وعلى باب الله، يطلب مثلهم الستر والعافية.

وعندي، مهما كان هؤلاء، فهم على حق، حتى لو هدد بعضهم بمقاطعة ما نكتب، لأنهم زبائننا اليوميون، ومن غيرهم لا يكون لما نكتبه أي قيمة أو أثر، إلا كقيمة سندويتشه الشاورما أو الفلافل، التي يعرف كل منكم مصيرها آخر المطاف.

مع ذلك، فإن أحدنا يحتار فيما يعرضونه، ولا يجده سبباً كافياً للكتابة عنه، لأنه باختصار يتعلق بمشكلات شخصية وربما محدودة أيضاً، مما نرى إمكانية حله في مراكز الشرطة، أو عند الضرورة باليد، وربما بالرجل أيضاً، لولا أننا لا نشجع هؤلاء عليه، فنخسرهم كقراء حين يدخلون السجن فلا تصلهم الجريدة.. أما إذا نفذ أمر الله ودخلوا السجن فسوف نتعهد بتوصيل الجريدة إليهم.. وهذا وعد.

فتصوروا مثلاً، قارئاً يلح على الكتابة عن إصبع حرمه التي جرحها سكين المطبخ، فطلب الإسعاف أكثر من مرة، كونه يسكن في منطقة يصعب العثور فيها على تاكسي في أي وقت، فيما الإسعاف يرفض تلبية طلبه، لأن الحالة لا تقتضي تحريك سيارة إسعاف بطاقمها الطبي وتعطيل حركة السير وإزعاج خلق الله بالونان، من أجل إصبع مقطوع، ولو كان إصبع جودي فوستر أو ناعومي كامبل، أو حتى قطة من قطط بريجيت باردو.

المصيبة أننا هنا لا نعرف من هو على حق، القارئ أم الإسعاف، ويزيد الطين بلة علينا، حين لا نعرف هل الإسعاف من اختصاص الشركة أم المستشفيات، لكي نوجه له الكلام، فيما لو اقتنعنا بشكوى القارئ، الذي يهدد كل صباح بمقاطعة الزاوية، لإهمالنا مصيبته.

مثال آخر، قارئ يشتكي من أحد الحمالين في سوق الخضرة والسمك، حيث وقع على ما يقول ضحية نصب، حين دفع لهذا مائة درهم لكي يعيد له الفراطة بعد خصم ثمن خدماته، إلا أن صاحبنا الذي يطالبنا الآن ملحاً لكي نشتم البلدية، التي تترك هؤلاء على حل شعرهم كما يقول، اكتشف بعد عودته إلى البيت، أن الحمال خصم ثلاثين درهماً، لا خمسة أو عشرة دراهم، ما جعله يفور ويغلي حتى طلع البخار من أم رأسه، على حد قوله، ما أرجح معه، أنه تسبب للبلدية في مشكلة أخرى، هي تلويث البيئة، فيحق لها تغريمه على مخالفته، بسبب تسرب هذا العادم من دماغه. ولو قلنا لمثل هذا القارئ إن القانون لا يحمي المغفلين، لكنا نشتمه فيرتفع «عادمه» إلى السماء هذه المرة، ولولا أننا معه ومع غيره، لا نملك سوى تطييب الخواطر، بالنيابة عن البلدية أو غيرها، ما يجعلنا في نظره محامي شيطان.

وغيره، صاحبنا محمود (مواطن عربي لم يذكر بقية اسمه) بسبب الكسوف على ما يبدو، طالع دينه من سواقي التاكسي الآسيويين، الذين يرفضون نقله من مكان عمله في أحد فنادق دبي، إلى منزله، مفضلين عليه الركاب الأجانب، خاصة الأوروبيين، ما نميل إلى تصديقه، لولا أننا في الوقت نفسه لا نملك له حلاً، فهؤلاء عجزت معهم إدارات الشرطة نفسها، حتى أنهم مؤخراً، تحولوا إلى موضوع للبحوث والدراسات، ما يعني علو مقامهم ومكانتهم، علماً بأننا نعتقد أن هذا القارئ محظوظ لأن الرفض سيوفر عليه مهمة الاستحمام عقب نزوله، ما وفر عليه ثمن التاكسي والصابون والشامبو معاً ونكتفي بذلك، وربما نعود في زاوية لاحقة للحديث عن الكتاب والقراء معاً، إلا أنا نختم، بأن لكل قارئ هماً على قده، يجعله يغني على ليلاه أو بلواه ، فيرى فيه مصيبة المصائب ونهاية العالم، ما يجعلنا مع هذا ندعو الله أن يكون في عون المفاوضين العرب على بلاويهم، ومعهم كل الزعماء والقادة، فمن يرى مصائب غيره تهون عليه بلاويه، وللقراء المعذرة، فالعتب مرفوع والزعل ممنوع والدین مدفوع، والباقي على الله.           10/5/1993

الزعل ممنوع والعتب مرفوع

عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام

مع الناس 4

()