عبد الحميد أحمد

عيرونا بالدولار وهم يعبدونه

بعض الإخوان، من الكتاب والصحفيين العرب، لا يعجبهم منا العجب، ولو صمنا رجب، أو حتى الدهر كله. فإذا صمنا قالوا مجانين ومتخلفين لم يعرفوا الحضارة، وإذا أفطرنا قالوا كفاراً جاحدين، ومحدثي نعمة، أصابهم البطر والكبر.

وإذا تركناهم وحالهم، والتفتنا إلى بلداننا وتعميرها وبنائها، قالوا انعزاليين وإقليميين، ينسون الأهل والأقارب، ويضيف بعضهم فيصفنا بأننا اتباع الإمبريالية، وأذناب الغرب، فيما نحن نسكت تأدباً عن أذنابهم مع أنها أطول، حتى لا نتهم بالرد بالمثل، فالذي على رأسه بطحة يتحسس عليها.

وإذا مددنا لهم اليد، صاحوا وصرخوا: ها هي أموال النفط جاءت لتشتريكم، وها هو البترو دولار جاء يلوثكم.

وبين يدي مقالة تشتمنا، وتسب مؤسساتنا الخليجية الخيرية غير الرسمية، التي تعمل من أجل العرب والعروبة، فتكرم أدباءها ومفكريها، وتعيد لهم الاعتبار والاعتراف بدورهم، مع أن غالبية هؤلاء مضطهدون في بلدانهم، التي كثيراً منها ما يدعي أنه قلب العروبة، والمناضل باسم الحرية والاشتراكية والفكرية والإنسانية حتى أنه من كثرة النضال وفائض الحرية، لم يعد لأدبائه مكان فيها، أو حتى غرفة يستطيع فيها الكتابة، أو حتى كرسي على مقهى يثرثر فيه مع رفاقه.

ولو كان مثل هذا المقال مكتوباً بقلم واحد من الصحفيين المغمورين، لما استحق حتى التوقف عنده، لكن بما أنه من مداد قلم صحفي معروف، كان لزمن واحداً من أهم الصحفيين العرب حظوة حتى في دول الخليج، التي يشتمها الآن، بعد أن انقلب عليها، كما فعل غيره، فإن السكوت عنه وتمريره يصبح كالموافقة عليه، وهو ما لا نرضاه ولا نقره.

وشخصياً، تمنيت لو أن هذا الصحفي (الذي امتنع عن ذكر اسمه لعدم إعطائه أهمية بعد الآن هو لا يستحقها فعلاً)، أنهى حياته المهنية صامتاً، ففي صمت مثل هؤلاء حياة لهم، بدلاً من قول الكفر وكيل الشتائم، التي نربأ حتى بصحفي إسرائيلي عن قولها.

على كل حال، لم يعد الآن مثل هذا الصحفي مفاجأة لنا، فقد عرفنا بعضهم ممن عاش بيننا وأكل من موائدنا، وملأ جيوبه بالدولارات (التي يشتمها كل حين ويعتبرها رجساً)، فلما غادرنا انقلب علينا، وشتمنا بحق وبغير حق، فعند هؤلاء القبض، هو أساس المهمة وشرفها وتاج رأسها.

وعرفنا مثل هؤلاء خلال أزمة الخليج الثانية، حيث سقطت عن عوراتهم أوراق التوت، وعيرونا بالبترول وطالبونا بعدالة توزيع الثروة، فيما بلدانهم أغنى بثرواتها ومعادنها، التي لم يحسنوا استغلالها ولا استخدامها، حتى كادت شعوبها تموت جوعاً ومرضاً وأمية وتخلفاً، وفوقها قمعاً وإرهاباً.

غير أننا، ومع كل هذا ومع مثل هؤلاء الذين لا يرون فينا غير آبار نفط ولو تحملنا بالنيابة عنهم، كل أخطائهم القاتلة وأوزارهم الشائنة، لا نتوقف عند ما ترميه مجاريرهم علينا، لأن هؤلاء ليسوا العروبة ولا العرب، ولو لهجوا بذكرهما ليل نهار، إلا بمقدار ما يكون الدولار وطناً لهم، وأماً وأباً أيضاً.

.. ولمن يريد التأكد يسأل عن عملات بلدانهم، التي صار الدولار قبلة لها، وإليها تحج، إلا أننا نهمل مثل هؤلاء ونبقى مع الشرفاء من العرب، الذين يقولون الحق، لنا وعلينا.

 22/5/1993

عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام

عيرونا بالدولار وهم يعبدونه