عبد الحميد أحمد

مسلسلات حرق الأعصاب

لم نتلق اتصالاً هاتفياً من رأس الخيمة أمس، فواضح أن سكانها قرأوا الصحف باكراً، فهدأت نفوسهم واطمأنت إلى أن الكهرباء آتية لا ريب فيها. وكنا منذ بداية الشهر، نتلقى، نحن الصحف والإذاعات، اتصالات يومية، حول مشكلات الكهرباء وانقطاعها، فكان دورنا يقتصر على تطييب الخواطر بالنيابة عن الحكومتين، المحلية والاتحادية، وعلى نصح هؤلاء بالتذرع بالصبر، ما جعلنا نشعر أننا على درجة كبيرة من الأهمية، أهم من بطرس غالي نفسه، حيث يلجأ إلينا الناس لحل مشكلاتهم، مع أن الواحد منا يعجز عن حل أزرار قميصه.

ولا نعرف إن كان سكان رأس الخيمة، قد اتصلوا قبلنا بالبلديات والوزارات كافة، بما في ذلك وزارة الكهرباء نفسها ووزارة الصحة والاقتصاد والتخطيط والتربية، يشكون حالهم مع التيار الذي صار مثل قمر الشتاء، يطل دقيقة ويغيب ساعات، وإن كنت أرجح أنهم اتصلوا بالجامعة العربية نفسها وبالأمم المتحدة، فلما فشلوا لجأوا للصحافة والإعلام، مع أن هذين أعجز من الجامعة في موقفها من الصومال، ومن الأمم المتحدة في موقفها مع البوسنة.

وننتقل من اتصالات سكان رأس الخيمة، الذين نتمنى لهم دوام الكهرباء والماء. على دوام الصحة والعافية، إلى اتصالات أخرى أكثر سخونة، تكاد من حرارتها إذابة أسلاك الهواتف، وتكبيد العزيزة الغالية اتصالات خسائر فادحة.

فلا يكاد يمر يوم دون أن يمطر مشاهدو بعض المسلسلات التلفزيونية شتماً ولعنات حتى خلت شخصياً لو أنهم وجهوا هذه الشتائم والدعوات واللعنات إلى إسرائيل، لكادت أن تتحرر فلسطين كلها، لا الضفة وغزة فحسب، كما يريد العرب حالياً.

فهناك، مثلاً، مسلسلان يحظيان بنصيب الأسد من هذه الانتقادات، وواضح أنهما يستفزان المشاهدين ويثيران أعصابهم كل مساء، والنتيجة نأكلها على رؤوسنا صباحاً نحن الصحفيين، لا التلفزيونات، ما نطلب معه من هذه التلفزيونات أن تمنعهما فتأخذ من الله الأجر فينا وتريحنا وترتاح.

وأول هذه المسلسلات المسمى «المستبد» وهو أمريكي جنوبي مدبلج، والثاني «الجريء والجميلة»، ومع أن أصحاب هذه المكالمات الغاضبين الثائرين من هذين المسلسلين، اتصلوا بالمحطات المعنية، كما يقولون، إلا أنهما لا يزالان يعرضان، ولا يزال المشاهدون يتفرجون عليهما ويغضبون ويتنرفزون، ما جعلني أعتقد أن مهمة التلفزيون اليوم صارت إبادة الأعصاب، على إبادة الوقت.

وتعمدت شخصياً أول أمس، أن أشاهد حلقة من «الجريء والجميلة» فإذا به مسلسل ممل جامد، غير أن متابعة الحوار كفيلة بإثارة أعصاب فيل أو أعصاب نملة لا فرق، لا مجرد أعصاب آدمي، فشاب حليوه، أحلى من عمرو دياب وحسين فهمي، يحاول إقناع امرأة متوسطة العمر بإقامة علاقة معه (هكذا) فيما هي تصده لأنها متزوجة أولاً، ولأن للشاب علاقة قائمة مع ابنتها.

ومثل هذه الأخلاقيات التي تروج لها مثل هذه المسلسلات كفيلة بالطبع بإثارة الناس، إلا أنني أعجب مع ذلك، كيف لا يزال هؤلاء يحتفظون بأجهزة التلفزيونات في بيوتهم، ولم يقوموا بتكسيرها وتحطيمها، أو على الأقل ببيعها في الحراج، وشراء مانجا هندية أو عمانية أو بطيخ العين ورأس الخيمة بثمنها، فذلك أفيد لهم ولصحتهم من هذه التلفزيونات بهذه النوعية من المسلسلات؟

إلا أن الواضح، أن هيك ناس بدها هيك تلفزيونات، وهم لم يكتفوا بما عندهم، فلاحقوا القنوات الفضائية بالدش، ما يفسر أنهم عرب حقاً، لا يرتاح الواحد منهم، ولا ينام قبل أن تثار أعصابه وتستفز، بدءاً من نشرة الأخبار العربية حتى المسلسل الأمريكي الطويل، مروراً بالطبع بالفيلم العربي عن البطل الهايص وأخيه اللايص، ففشر على العربي أن ينام ليلة وأعصابه هادئة، ومنكم لله. 25/5/1993

 مسلسلات حرق الأعصاب

 عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام