عبد الحميد أحمد

حجر على الباب

صباح الخير أيها النائمون..

مساء الخير أيها المنوّمون..

ها حجر يدق عليكم الباب، يرسل إليكم في لفافة عتيقة ضوضاءه وصخبه، يباغت أسرتكم وأحلامكم الموبوءة بالسراب. ها حجر يلقي عليكم تحية البدء.. تحية الختام.

هل رأيتم حجارة تمشي في طرقات السماء، هل رأيتم حجارة تزرع القشعريرة في جسد العالم، وهل رأيتم حجارة تطير فوق الجبال كالنسور، وهل، هل رأيتم حجارة تغني وهي تمسح عن وجه الشمس أحزانها، وتتحول إلى قصائد لم يكتبها الشعراء بعد؟

صباح الخير، أو مساء الخير.. لا فرق بين صباحكم القديم ومسائكم الموغل في وحشة الظلام، لا فرق بين عيونكم، انفتحت على شمس النهار أو على قمر الليل، فالعماء ليس هنا، ثمة مظلمة لها رائحة البرودة والموت تلف العقول والقلوب، لا فرق بين اليقظة والنوم إلا بمقدار ما ترقص الحجارة في قلوبكم، بعد أن متنا نوماً على زمن الدبابات والمدرعات المدللة التي نطعمها من لحم قلوبنا ونسقيها من دماء عروقنا؟

هو الحجر إذن، ينهض من تراث، يتبرعم في التراب، هو الحجر الذي لا يوصف، يدخل الكتاب صفحة صفحة، يكتبه من جديد، لنقرأ فيه سفراً للطوفان الحديث، هو الحجر الذي يدمي وجوهنا العتيقة، ويشير ببوصلته التي لم يخترعها أحد إلى مكان الرجم، وزمان الرجم، إلى الطغاة العصريين، إلى حيث يجب أن يكون الرجم، حيث «الخطيئة» المنظمة، تأكل من «الشرف» المهدور قطعة قطعة، مرحلة مرحلة، زمناً زمناً، ووطناً وطناً!

صباح الخير أيها النائمون..

مساء الخير أيها المنوّمون..

كبر الأطفال المغتصبون، حجر على حجر، وحجر على حجر، صاروا نهراً من حجارة يحفر تاريخ الأرض يكنسون هزائم آبائهم وانكسارات زمنهم، كبر الأطفال، صاروا حجارة وحصى لها قلوب العاشقين، أصوات القرويين، صلابة المحاربين المسلحين بصدور حديدية، صاروا عشاقاً ومحبين، تتفصد أجسادهم عرق الأرض، وتضخ عيونهم فحولة الحجر. هم عرق الأرض، فحولة الحجر.

حجر على حجر، يذهبون إلى الحياة مدججين بالعزلة، بالعراء، بالصدور العارية من سترات الرصاص، لن يردع الرصاص إلا اللحم، لن يعطب الدبابة إلا الدم الأنيق المقاتل، لن يهزم الجيش النظامي في الزمن الزئبقي إلا فوضى الغابات والجبال، لن يهزم الأسطورة المجللة بتكنولوجيا الغرب – المبجلة بتكنولوجيا الضعف العربي – إلا جنون النهر، شبق الحجارة، غريزة المشاكسة عند الأطفال.

ها حجر يدق الباب يلقي تحية البدء، أو تحية الختام، ويعلن أول المشاكسة، أول الرعشة، يصرخ في سديم الصمت، أنشودة لم تكتمل.

هل رأيتم حجارة من لحم ودم، ترقص تغني، تقاتل تكتب الشعر؟ هل رأيتم بشراً من حجر وحصى لا يرقصون، لا يقاتلون، لا يكتبون الشعر؟ هي حجارة الحياة خرجت من حجارة الموت، لتمشي في طرقات السماء وتغسل الأحزان عن وجه الشمس، وتزرع القشعريرة في جسد الموت، فسلاماً للحجارة المشتعلة في قلب «الخطيئة».

كل أحد  ()