نبذة عبد الحميد أحمد

تلويحة من بيرت

«هكذا تكلم المغني، في سره ومضى في مثل نشوة العصافير، إلى معركة والعباسية والنبطية وحومين والزرارية وأخواتها المضيئات، حيث ألقى بخديه إلى أديم الأرض وزرع حنجرته في عروق التراب، ثم استلقى مطمئناً وعيناه شاخصتان إلى مطلع الشمس» (حبيب صادق).

في يونيو – حزيران من العام 1982، كانت بيروت البديعة، ذات العينين المشعتين بهجة وحرية والمؤتلقتين بالفرح الكامن في الأعماق قد حاصرها الموت المدجج بطاعون الصمت وجراثيم التخاذل واليأس والإحباط، كانت الصبية اليانعة التي لم يمر بها شاعر دون أن يقلد نحرها بقصيدة غزل وحب تتلوى، في صمت، في عذاب وحدتها وحصارها، وكانت الدهشة والذهول والصدمة قد طوقت الشعراء أنفسهم، وحاصر العجز والإرباك والخجل أفئدة الكتاب، الذين راحوا يقلبون في «قواميسهم» بحثاً عما يمكن أن ينقذ ألسنتهم ويحرر أقلامهم.

كانت بيروت أكبر من قدراتهم الإبداعية، كانت الريح التي استباحت أوراق التوت وعرّت الإفلاس والتواطؤ.

لكن الكتابة ابتدأت، ليس من سن القلم بل من فوهة بندقية. كانت أول كلمة تنبثق في الحالة الجديدة هي كلمة المقاومة التي تفجرت في بيروت ثم جرت إلى سهول الجنوب وجباله وبقاعه لتسقي المهزومين عافية النصر ولتزرع في خراب اليأس ورود الحرية الشماء.

وكانت الحالة الجديدة لهذا النهوض الاستثنائي من ركام الهزيمة جديدة على شعراء «القواميس» وكتابها، وبدا واضحاً أن «قاموس الحياة» وحده الذي تنبض فيه الحياة واللغة أيضاً.

إن الكاتب الغارق في ذاته، صريع الإحباط واليأس، وأسير اللغة الميتة، يفتش في داخله عن الجدوى وعن الخلاص، ولا يقبض غير الريح، وغير مزيد من الخواء وفقدان الهوية والفاعلية، إن سمة من سمات الانحطاط التاريخي متجلياً في الهزيمة التي تنتقل من الخارج إلى الداخل، من ساحة السياسة والحرب والتاريخ إلى ساحة الروح والعقل والوجدان، حيث تستوطن في الأعماق وتتحول إلى شعور اعتيادي يغلف ويلغي الهزيمة الحقيقية، هزيمة الخارج. وهكذا يتم اغتيال الحقيقة.

وعند أول تلويحة من ذراع مقاوم تعدل بوصلة الكتابة من وضع عقربها، لتشير إلى الاتجاه الصحيح.

وعند انطلاق المقاومة في الجنوب اللبناني بدا واضحاً أن الحياة ليست في اللغة، بل في الفعل الذي يحقق الحياة ويقتل الهزيمة إلى الأبد، فالذين داستهم خيول الإحباط ولفهم دوار الهزيمة لم يسعفهم «القاموس» اللغوي، وكان لمهزلة الأدب المريض المتعالي فوق جراحات أمته وصيحات الفقراء وأنين المحرومين أن تستمر، لولا الحالة المدهشة التي اقتلعت الوهم وحددت ملامح الكتابة الجديدة، الجديرة بالحياة.

وكانت هذه الحالة مسماراً يندق في نعش الكتابة المهزومة.

«إن الجنوب الذي لن يحرر التراب فقط، يحرر الشعر أيضاً. الشعر الذي اجتاحه الغزاة، الغزاة الشعراء، الذين يخرجون الأطفال والمناديل والأمهات والتراب والشمس والوطن من بيوت الصفحات، وحقول المحابر، وأسرة الأقلام الخشبية، ويعصبون عيونهم ويقيدون أيديهم ويأخذونهم إلى ضفاف الأنهر، وساحات القرى، ويطلقون عليهم الرصاص، ليتساقطوا مضرجين بدم الوطن ودم القصيدة». (جوزف حرب).

وكان لابد من إعادة النظر في الكتابة، فقافلة الشهداء يسير في ركبها المبدعون الحقيقيون الذين يعجنون في أحاسيسهم المرهقة دماء الشهداء وعرق الفقراء، الذين لا يفهمون الإبداع خارج التاريخ وخارج حركة الجماهير الزاحفة إلى شمس حريتها.

وحين تكون الحياة فعلاً ومقاومة تكون الكتابة كذلك، فالمقاومة لا تحرر التراب والوطن والإنسان فحسب، إنها تحرر الفكر والكتابة من الوهم وأقفاص اللغات الميتة، ومن براثن الهزيمة المستوطنة في الأعماق.

… من هنا يبدأ الاتجاه الصحيح إلى الكتابة.

ومن هنا كانت المقاومة حدثاً استثنائياً في تاريخ الكتابة العربية إذ انتشلتها من مستنقع الهزيمة والذهول والموت بتلويحة من ذراعها.

تلويحة من بيرت