عبد الحميد أحمد

إذا فاتك البط

أتصور أن جولات المفاوضات بين العرب والإسرائيليين تجري على النحو التالي:

يجلس المفاوضون العرب قبالة المفاوض الإسرائيلي فيسألهم هذا في الجلسة الأولى: هل تعلمون ما سأقوله لكم؟ فيتذاكى جماعتنا ويتشاطرون، فيقررون الإجابة بصوت واحد: نعم. فيرد عليهم المفاوض الإسرائيلي: إذا كنتم تعلمون، فما الفائدة من الكلام، ثم يتركهم ويغادر القاعة.

ويستعد هؤلاء للجلسة التالية، بموقف عربي مشترك آخر، بعد اجتماعات جانبية وتنسيق على أعلى المستويات، فيعود الإسرائيلي ويطرح سؤاله السابق، فيجيبون بالفم الملآن: كلا، فيقول لهم وهو ينهض من على الطاولة: ما دمتم لا تعلمون، فما الفائدة من الكلام؟!

ويأتي موعد الجلسة الثالثة من الجولة، وقد رتبوا أوضاعهم ومواقفهم وتكتيكاتهم لتفويت الفرصة على العدو، فيتفقون على أن يجيب بعضهم بنعم، وبعضهم الآخر بلا، فلما يعيد الإسرائيلي طرح سؤاله، يقول اللبنانيون والسوريون: كلا، ويقول الأردنيون والفلسطينيون: نعم، فيرد عليهم المفاوض الإسرائيلي: هذا حسن، فمن يعلم منكم يعلم من لا يعلم، ويركب الطائرة ويعود إلى تل أبيب.

ويسارع مفاوضونا بعد عودتهم إلى بلدانهم، إلى عقد اجتماع فيما بينهم في كل مرة، ليقرروا العودة إلى الجولة التالية، لعلهم يفهمون منها ويعلمون فيها ما يريد قوله الإسرائيلي، فيشجعهم الشريك الكامل (وهو مثل المواطن في الرخص التجارية عندنا) على ذلك، ويقدم لهم ضمانات على أنهم سيفهمون هذه المرة، ولن يخرجوا من القاعة إلا وهم أذكى من اینشتاین وابن خلدون وسقراط.

وإذا كان المفاوضون هذا حالهم، فكيف لنا نحن المشاهدين والمتفرجين والمتابعين والمصفقين والمشجعين من على المدرجات وشاشات التلفزيون وصفحات الجرائد أن نفهم؟

والعادة أنه لكل مباراة، أو مسابقة، من مباريات كرة القدم أو السلة أو السباحة أو المصارعة، أو حتى مسابقات الطبخ وملكات الجمال، جولات محددة، وأوقات تضبطها ساعات سایکو وسیتیزن، بحيث تنتهي هذه المسابقات والمباريات إلى نتيجة نهائية، وإلا كنا نشاهد إلى اليوم المباراة النهائية في كرة القدم ضمن مسابقة كأس العالم الأولى، وأول مباراة نهائية بين محمد علي كلاي ومنافسه على بطولة الملاكمة، غير أن الواضح أن مباراة السلام بين العرب والإسرائيليين ليست من هذا النوع، ولا عدد محدد لجولاتها أو لمواعيدها، ما يجعلها حقاً مثل عمامة عمنا جحا، التي لها أول وليس لها آخر، ما نتوقع معه أن تستمر خمسين عاماً قادمة، يموت فيها المفاوضون العرب ويأتي غيرهم، يكون اللاحقون فهموا منها بالمقدار الذي يفهمه المفاوضون الحاليون.

غير أن السلام، واضح أنه لن يأتينا من أبواب هذه المفاوضات، فهو بدأ يتسرب إلينا من شبابيك أخرى، حتى كادت إسرائيل تقف على الأبواب تدق علينا، وعما قريب سنجدها في أحضاننا، فيما المفاوضون صامدون ومرابطون في واشنطن، لفهم ما تريده إسرائيل.

لذلك قررت أن أفتح أبواب بيتي لإسرائيل من الآن، لأضمن بذلك مستقبلي ومستقبل عيالي، وأن أرفع عنها المقاطعة، وأدير التلفزيون على نشرات أخبارها، وأقضي هذا الصيف على شواطئها، قبل أن يزايد عليّ أي نظام عربي ويسبقني إلى ذلك، ثم يتهمني إذا عارضت السلام بالخروج عن الإجماع العربي والتمرد على التضامن ووحدة الصف والمصير، وخيانة القضية المركزية.

غير أن واحداً مثلي، يتفرج على هذه المفاوضات من بعيد لبعيد، يفضل أن يكون مع جحا الذي رأى مرة سرباً من البط قرب شاطئ البحيرة، فحاول اصطياد واحدة، إلا أنها طارت عنه جميعها، فجلس يغمس خبزه بالماء ويأكل، وحين رآه رجل وسأله: هنيئاً ما تأكل، ما هذا؟ فرد عليه: هذا حساء البط، فإذا فاتك البط فاستفد من مرقه.

لولا أنني أخشى، ومعي كل مواطن عربي، أن تكون النتائج من جنس المقدمات، فيفوتنا البط والمرق معاً. 9/6/1993

()