عبد الحميد أحمد

محصلة إعلامنا الوطني

نضيف لما كتبناه أمس، حول الإعلام، أن المجلس الأعلى للتخطيط الإعلامي، وهو ما طرح كمقترح في جلسة المجلس الوطني الاتحادي الأخيرة، سيكون بمثابة المشروع للسياسة الإعلامية الغائبة والمطلوبة بشدة في الوقت نفسه، وسيقوم باستلهامها من حاجات المجتمع التنموية وخططه، ومن ركائزه الثابتة، فيما يتعلق بالمعتقدات والعادات والأعراف وحمايتها وصيانتها.

فوق ذلك، لن ينتهي دوره عند هذا الحد، فبوصفه مجلساً دائماً، سيكون من أعماله مراقبة حسن تنفيذ هذه السياسة من قبل أجهزة الإعلام المختلفة، والمعوقات التي تحول دون تنفيذها، كما يمكنه أن يكون حلقة الوصل بين هذه الأجهزة وجمهورها، لالتقاط هواجسهم وانتقاداتهم ومآخذهم عليها، سواء كان ذلك بطريق مباشر، أم عن طريق الاستفتاءات واستقصاءات الرأي، كما يمكنه أن يدعم إدارات أجهزة الإعلام بالتوجيه والإرشاد، ومساعدتها في حل ما يعترض طريقها من مشكلات، إضافة بالطبع إلى مساهمته معها في التخطيط لبرامجها وموادها الإعلامية.

غير أن هذا المجلس، ليس بديلاً عن وزارة الإعلام، كما قد يفهم البعض، إنما ذراع مساعدة لها، ففي حين يتولى هذا المجلس التخطيط ووضع السياسة الإعلامية والبرامج المساعدة على تنفيذ هذه السياسة، تتولى الوزارة التنفيذ والمتابعة والملاحقة، بصفتها الجهة التنفيذية.

وما يجعلنا نتشجع لمثل هذا الاقتراح هو ما نطرحه من تساؤلات بين حين وآخر، ومنها ما طرحه عضو المجلس الوطني علي جاسم أحمد، في بداية الجلسة الأخيرة، حول منجزات إعلامنا الوطني بعد مرور 22 عاماً عليه، ونعتقد أنها تساؤلات كثفت ولخصت نواقص هذا الإعلام، واضطرابه أيضاً.

فمحصلة إعلامنا الوطني حتى الآن كالتالي: نقص شديد في الكوادر الوطنية، شح إلى درجة العدم في البرامج المحلية والدراما، تخلف مستوى المعروض والمقدم للجمهور من هذه البرامج تقنياً وموضوعياً بما في ذلك المدفوع ثمنه والمشترى من الخارج، عدم التخلص من سيطرة الوكالات الإخبارية ومؤسسات تسويق البرامج والمواد الإعلامية الأجنبية، عدم احتضان فنوننا المحلية، مسرح وأغنية وموسيقى وفولكلور وثقافة، لغرض تطويرها وتقديمها للعالم الخارجي كفنون متطورة وغير ذلك كثير، وأهم ما يمكن إضافته عجزنا عن مواكبة الأحداث والتطورات السياسية وغيرها بشكل ذاتي ومستقل عن هيمنة الوكالات الغربية، وخير دليل على ذلك أزمة احتلال الكويت، حين استنجدت تلفزيوناتنا بالـ «سي . ان. ان» وفرضتها علينا في بيوتنا شعوراً منها بالعجز أمام مثل هذا الحدث الكبير والخطير، فيما هي لم تعجز يوماً عن تقديم مسلسلات هایفة وأغنيات هابطة، وكأن التلفزيون جهاز تسلية وترفيه وليس أكثر من ذلك.

وكان يمكن لإعلامنا، بالإمكانيات المتاحة له، وبقليل من الرؤية الصحيحة والتخطيط إنجاز شيء ما حتى الآن، فبثمن مسلسل أجنبي أو عربي واحد يمكن تدريب عشرة مواطنين على الأقل سنوياً على كافة الأعمال المطلوبة، وبثمن شراء عدة أغنيات كل عام وتسجيلها أو إجراء مقابلات مع فنانين أجانب، كان يمكن إنشاء فرقة موسيقية محلية للإذاعة، أو تشجيع مطربينا على الإنتاج وتجويده وتحسين فنهم وتطويره وربما بالثمن المدفوع لنقل عشر مباريات في كرة القدم في كل عام، كان بالإمكان إنتاج عشرة أعمال درامية محلية، حتى لو كانت متوسطة المستوى في البداية، إلا أنها ستتطور بالتراكم، كما هو الحال مثلاً مع الدراما الكويتية التي نمت في حضن التلفزيون، وكالأغنية أيضاً التي تطورت في كنف الإذاعة.

غير أننا، للأسف، صحف وإذاعات وتلفزيونات (وهذه مثالها صارخ) ما زلنا نستورد الجاهز وتحديداً السيئ منه من استعراضات شريهان حتى المسلسلات المكسيكية، دون أن يكون لنا أعمالنا الخاصة وبصماتنا المحلية على ساعات بثنا الطويلة، ومع ذلك لم تكتف هذه المحطات بإنجازاتها الأرضية، حتى طارت إلى الفضاء عبر الأقمار الصناعية، دون أن نسألها: ما هي الرسالة التي ستنقلها للعالم عبر الفضاء، فيما نحن لم ننقل بعد على الأرض.  11/6/1993

()