عبد الحميد أحمد

المواطن من غير خدامة

القارئ عبدالله سيف من دبي، يسأل تعليقاً على موضوع الخدم قبل أيام: كيف يمكننا تجنب مشكلات الخدامات في بيوتنا؟ يمكنك يا أخ عبدالله، ويمكن لأي واحد منا، أن يتجنب مشكلاتهن بطاعتهن وتنفيذ أوامرهن حرفياً، فإذا طلبت خدامة استكانة شاي مثلاً، علينا أن نقوم من طولنا لجلب الشاي لها، وإذا أرادت يوم الجمعة إجازة للخروج مع البوي فريند فليس أمامنا سوى الموافقة، وتوصيلها بالسيارة إلى مكان الموعد، لأن رفضنا لما تريده الشغالات، أسوأ من نتائج رفض العرب للسلام مع إسرائيل، واسأل إذا لم تصدق كل من عانى من مشكلة مع خدامته..

وعلى فكرة، فقد زارتنا مؤخراً سيدة، واضح أنها عانت الأمرين من شغالة بعد شغالة، حتى أنها كتبت شكواها في خمس صفحات مطبوعة على الآلة الكاتبة، تصلح لو تهيأ لها مخرج أن تتحول إلى مسلسل تلفزيوني، ومن ألمها ومعاناتها عرضت مبلغاً مالياً مغرياً لمن يلقي القبض على فاطمة، عفواً على شغالتين هربتا منها تباعاً، عجزت عن ردهما إليها وزارة العمل ومفتشوها، فما رأيك لو تتحول يا عبدالله لأسبوع إلى شارلوك هولمز أو كولومبو؟

غير أني يا أخ عبدالله، اكتشفت من معاناة السيدة المذكورة، كما وردت في شكواها، أن للخدم فائدة لم تكن في بالنا، هي أننا يمكن أن نتحول على أيديهن إلى قصاصين وروائيين، كما هو الحال مع السيدة، التي كتبت قصتها مع الخدم أفضل من كثير من القصص التي نراها في المسلسلات التلفزيونية، فضلاً عن أنها قصة واقعية، ما يعني أن المعاناة هي حقاً صانعة الآداب، ولو كانت مع خدامات، ولو ظهر عندنا رجال ونساء استلهموا تجاربهم المنزلية مع خدمهم، كما فعلت السيدة ، لأصبح عندنا أدب جديد، هو الأدب الشغالي أو الخدامي، أو أي تسمية أخرى يراها النقاد مناسبة، كالشغالزم، على وزن السرياليزم والمودرنزم وغيرهما.

وما دمنا في سيرة الشغالات، فإن قارئاً آخر اتصل محتجاً على مطالبتنا الرجال بمساعدة نسوانهم في أعمال البيت، لكي لا يجدن هؤلاء مبرراً في الاستعانة بالخدم، ورأى فيما قلناه انتقاصاً لدور الرجل ولحرمة شواربه المفتولة.

ولمثل هذا القارئ، ومثله لا شك كثر ممن يستعلون على العمل اليدوي ويزدرونه حتى صرنا لا نحل ولا نربط مسماراً في بيوتنا من دون الاستعانة بخبير أجنبي في المسامير، نقول، إن وقوف أحدنا ولف المريول على وسطه، ساعة في المطبخ مثلاً لغسل الصحون، أو لصنع الشاي والقهوة، أو التفرغ يوماً في الأسبوع لسقاية الزرع في حديقة بيته، أو لصبغ الأبواب مثلاً، لن ينقص من قدرنا شيئاً، ولن يجعل منا حريماً، ولن يحط من قدر شواربنا المصونة، فالأساس أن العمل للرجل، مهما كان هذا العمل، وإلا فهل المطلوب منا أن نصير مدراء وموظفين كباراً وسادة باستمرار، يخدمنا الآخرون ولا نخدم أنفسنا حتى في غسيل ملابسنا؟

الغريب، أن أمثال أصحاب هذا الرأي يعجبون بالأجانب، خاصة الأوروبيين، سواء عندنا أم في بلدانهم، حين يشاهدون هؤلاء يحملون زبالتهم بأنفسهم إلى صناديق القمامة، أو حين يشاهدونهم يشتغلون في حدائق بيوتهم أو في صيانة ما تعطل من أجهزة عندهم، إذا قدروا على ذلك، ويتحدثون عنهم بإعجاب، فيما هم في الوقت نفسه يزدرون مثل هذه الأعمال إذا طلب منهم القيام بها.

غير أننا لا نستفيد من الأوروبيين فيما يعجبنا فيهم، كحبهم للعمل مثلاً وإقبالهم عليه وتقديسهم له، وعدم تعاليهم عليه، كما قرأنا أول أمس عن 29 مليون أمريكي يعملون في بيوتهم، فيفضل الواحد منا تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، ونظل مع ذلك متمسكين بخداماتنا وبشاكيرنا وبالسمکرجية والمكوجية والكهربجية وغيرهم من العمالة الأجنبية، فنحن من دون هؤلاء لسنا مواطنين، ما أتصور معه أن التاريخ سيضيف إلى عجائب الدنيا السبع أعجوبة ثامنة، هي المواطن من غير خدامة.  18/6/1993

المواطن من غير خدامة – عبد الحميد احمد

()