عبد الحميد أحمد

«علعول» الثقافة

  • نبدأ بالمثل: «اللي على رأسه ريشة يتحسسها»، لنتحدث حول ما ذهب إليه الزميل وائل الجشي في دفاعه عن المشرفين الثقافيين وهو واحد منهم، أما «الريشة، فهي تشبه العلعول» المحلي وهو خصلة شعر زائدة في الرأس الأصلع كان الأطفال يتباهون بها بين أقرانِهم (!).

وما دام الزميل وائل الجشي تحسس فعلاً «علعوله» واستنفر يرد مدافعاً عن مهنته نيابة عن زملائه الذين صمتوا حتى الآن، فلا بأس أن شغل هذه المساحة مرة أخرى للحديث حول الإشراف والمشرفين الثقافيين في صحفنا المحلية.

يتساءل الجشي عن سبب إثارة هذا الموضوع مجدداً، وهو فيما يبدو لا يرى ضرورة لذلك، ولو قرأ زميلنا جيداً لوجد أننا قلنا إن إثارة الموضوع القديم إنما دعت إليه الندوة التي أقامها اتحاد الكتّاب (فرع أبوظبي) حول هذه المشكلة، كما قلنا أيضاً إن إثارتها تعني استمرارها ولربما على نحو أسوأ مما كانت عليه قبل أربع سنوات.

كما أن الحديث السابق حول الموضوع نفسه لم يكن موجهاً ضد محرر بعينه، بل كان الكلام عاماً حول الإشراف الثقافي وما تعانيه الأقسام الثقافية في الصحف من كسل وحالة بلادة منقطعة النظير، وكان الأحرى بهؤلاء المحررين تلمس أخطائهم ومراجعة دورهم والاعتراف بقصورهم، ولعل الصمت أحياناً يحمل معنى مراجعة النفس، لكن الزميل وائل يرى رؤية أخرى، فيصر على الدفاع، بدلاً من قول الحقيقة ومن شرح مشكلات ومعوقات الإشراف الثقافي والتي لا نشك لحظة في أنه هو نفسه يعاني منها الأمرين، وهي خطوة لو تمت لكانت البداية إلى الإصلاح.

وحتى يوحي الزميل الجشي للقارئ بذاكرته القوية فإنه يتذكر ما قلته قبل سنوات من أنه لا ينفع إصلاح غرفة والبيت كله تالف، وهو الأمر الذي لم أنكره، بل أكدته في حديثي السابق حين أشرت إلى غياب النهج وسياسة التحرير بشكل واضح وعام، لكن هذا الغياب يجب ألا نعتبره مبرراً وذريعة للمشرفين الثقافيين ولكسلهم ولاستمرار حالة التراخي والترهل والبؤس التي تعاني منها صفحاتنا الثقافية، خاصة أنهم يملكون هامشاً من الحركة والحرية لا يتوفر لبقية زملائهم في الأقسام الأخرى كالمحليات والاقتصاد وغيرهما.

إن الصحافة الثقافية «ليست في مستوى مثالي، والمشرفون الثقافيون في الوقت ذاته ليسوا في وضع مثالي لأن الثقافة ذاتها في مجتمعاتنا لا تتمتع بمكانة تجعلنا نتطلع إلى المثالية». هذا ما يقر به وائل الجشي، وهو عذر أقبح من ذنب كما يبدو واضحاً من دلالات الجملة، إذ إنها تبرر للمشرفين الثقافيين ما يفعلونه وما يرتكبونه في صفحاتهم من أخطاء ومن قصور يكون متعمداً أحياناً، والسبب أن «الثقافة لا تتمتع بمكانة تجعلنا نتطلع إلى المثالية»، وما دامت كذلك، فلا بأس أن يكون المشرفون الثقافيون سيئين ومجاملين وكسالى، ومساهمين أيضاً في الإرباك الثقافي وتدهوره العام ليضيفوا إلى الساحة جريرة أخرى من الجرائر الكثيرة.

وليت أن زميلنا العزيز الجشي أوضح مشكلات الثقافة التي لا تتمتع بالوضع المثالي، وليته يحسن العمل حين يبدأ في ممارسة إصلاح هذه الثقافة من البيت نفسه لا من خارجه، بدلاً من الدفاع عن الخطأ وتبريره. إن «كفاءة المشرف» الثقافي كنقطة يطرحها وائل الجشي يبدو أنها هي علة العلل، وهي مربط الفرس في سوء الإشراف الثقافي إلى جانب مشكلات أخرى مهنية وثقافية، لكن الكفاءة تظل هي المحور الأساس لأنه في غيابها لا تجد المشكلات الأخرى من يتصدى لها بالمعالجة والحل، وفي غيابها يظل الإشراف على الصفحات الثقافية كالإشراف على صفحات القراء والتسالي غير مبرمج ودون تخطيط وعمل غير جدي لا يخدم الوضع الثقافي.

وما دمنا نتفق مع الزميل الجشي في اعترافه حول مسألة الكفاءة فإننا سنورد هذه المرة مقالين من ممارسات المحررين الثقافيين إضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من أمثلة، ولا نظن أن وائلاً لن يعرفها خاصة أنه يتمتع فيما يبدو بذاكرة قوية، إلى جانب خبرته الطويلة في الإشراف الثقافي:

  • محرر يقضي ساعات على سماعة الهاتف في أحاديث مع كاتبات «موهوبات» (!)، ومن تتحدث معه أطول وقت يحظى موضوعها بسرعة النشر، ومن يكون صوتها أحلى ينشر موضوعها في زاوية بارزة، أما الموضوعات فلا تمت بصلة إلى الأدب ولا إلى الثقافة.
  • محرر كتب في فترة عن شاعر مبيناً الخلل العروضي في شعره وناقداً له، ثم عندما استوى هذا الشاعر في مركز كبير تبدلت آراء المحرر وصار يمدحه حتى جعله من الشعراء البارزين.

… والأمثلة بعد ذلك عن المحررين الثقافيين كثيرة لا مجال لذكرها هنا الآن، وبعضها يدعو إلى

الضحك والسخرية المرة، وبعضها يشير صراحة إلى مكمن العلة في الإشراف الثقافي.

… ويبدو، وبلا إحراج مرة أخرى، أن النحيب من فوق الكثيب يتيح لنا رؤية أفضل لأوضاع الأقسام الثقافية من النحيب من تحت الكثيب، أليس كذلك؟

«علعول» الثقافة

()