عبد الحميد أحمد

حمار المقاومة إلى غوانتانامو أم إلى العمالة للاستخبارات؟

أرجو من القراء ألا يأخذوا هذا المقال على محمل الجد، فهو ليس إلا خواطر تداعت على البال مؤخراً بعد أن شاهدت صوراً لحمار المقاومة العراقية بعد إلقاء القبض عليه في بغداد، على إثر عملية استهدفت وزارة النفط وفندقين في العاصمة العراقية، كان الحمار مشاركاً فيها·
لقد بدا الحمار، الذي هو في الحقيقة أحد اثنين شاركا في العملية، وديعاً ساكناً هادئاً ومتماسك الأعصاب، حتى وبنادق الجنود الأميركيين قد صوبت إليه، وقد ذكرني هذا الحمار، بحمير أخرى شاركت في عمليات مماثلة في جنوب لبنان ، ولا تزال تشارك كما في الماضي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يجعل الأمر كله تراثاً مشتركاً عندنا نحن العرب، أي استخدام الحمير وغيرها في أعمال المقاومة·
غير أن الأميركيين لا يعرفون هذا التراث، أو أنهم على الأغلب لا يكترثون له،بدليل أنهم جاءوا إلى العراق وانتصروا على نظامه السابق بأقل جهد ممكن، إلا أنهم بعد ذلك انزلقوا إلى مستنقع لم يتوقعوه، حين لم يعرفوا ويخططوا جيداً لكيفية التعامل مع هذا النسيج العراقي الصعب، فارتكبوا من الأخطاء ما يبرر اليوم بعض ما يواجهون من مقاومة وما يواجهه بقية العراقيين من إرهاب·
أقول ذكرني الحمار الذي وقف في الصور التي تناقلتها وكالات الأنباء وتصدرت الصفحات الأولى من أغلب صحفنا الوطنية، ذكرني بآخرين من أمثاله كان لهم شرف الاشتراك البطولي في عمليات المقاومة، وبعضهم قتل وبعضهم تم أسره، وقد ظهر حمار المقاومة العراقية في الصور وكأن براءة الأطفال في عينيه، فهل هو بريء حقاً، أم شريك كامل في جريمة مقاومة الاحتلال؟
الحمار قطعاً ليس بريئاً مما يفعلون، فهو ضبط متلبساً يجر عربة مليئة بالصواريخ التي أطلق بعض منها على أهدافه، والآن على الأقل صار لدى الأميركيين أحد المتلبسين بالجرم المشهود ، بعد أن فشلوا في العثور على مقاومين آخرين، فهؤلاء إما تناثروا أشلاء عند قيامهم بعمليات انتحارية يفجرون فيها أجسادهم ، وإما اختفوا في الظلام، وكل عمليات الدهم والاستفزاز التي قاموا بها ضد مساكن المواطنين في الفلوجة وتكريت والموصل وغيرها من المدن لم تكشف عن أي مقاوم وإن كشفت عن أسلحة وذخائر حسب الزعم الأميركي·
وهكذا صرت أسال نفسي، ما الذي سوف يفعله الأميركيون بهذا المقاوم المتلبس بالجرم المشهود؟ هل يطلق سراحه بسهولة باعتباره حماراً لا يفقه شيئاً وربما بعد أن يقدم له الجنود بعضاً من الطعام فقد بدا هذا الحيوان المسكين هزيلاً من جر العربة الثقيلة المحملة بالصواريخ، أم يطلق الجنود عليه النار فيردونه قتيلاً عقاباً على مشاركته في عمل من أعمال المقاومة، أو الإرهاب حسب ما يسمونها؟
الاحتمال الأرجح هو أن يخضع هذا المقاوم للاستجواب، لأنه من غير الممكن أن يطلق سراحه بهذه السهولة ولا حتى قتله من دون الاستفادة منه بأخذ المعلومات التي يمكن أن تفيد في تضييق الخناق على المقاومة ومعرفة قادتها، غير أن مشكلة التفاهم مع الحمار سوف تواجه المحققين، كما واجهت سابقاً محققي الـ CIA وال FBI عندما كانوا يستجوبون أعضاء القاعدة وطالبان بعد اعتقال بعضهم في أفغانستان، بسبب اللغة، مما دعا بعد ذلك السلطات الأميركية إلى توظيف فئات من المترجمين العرب وغير العرب، ممن يجيدون لغات كالعربية والبشتية والأوردية وغيرها، لكي يعملوا مترجمين لدى هذه الأجهزة·
وبما أننا لا نعرف من يستطيع التفاهم مع حمار ونقل ما يدور في رأسه إلى المحققين حالياً، فإن المرجح هو أن ينقل هذا الحمار إلى غوانتانامو باي، بانتظار الحصول على المترجم الخاص بالحمار، أو اختراع وسيلة تقنية تكشف ما في دماغ الحمار·
إذا فكر الأميركيون بهذه الطريقة، فإن في ذلك مضيعة للوقت علاوة على أن نقل الحمارين المقاومين إلى غوانتانامو سوف يعرضهم إلى الانتقاد العالمي واسع النطاق من جماعات حقوق الحيوان، خاصة المشاهير الذي يدعمون هذه الحقوق ليل نهار كالممثلة الفرنسية الشهيرة بريجيت باردو، فهل يحتاج الأميركيون إلى فتح جبهات جديدة وأبواب أخرى لانتقادهم علاوة على ما يتعرضون له من انتقاد؟
أنا شخصياً في حيص بيص أيضاً في أمر حمار المقاومة هذا، غير أنني سوف أنصح الأميركيين مرة أخرى بمعرفة تراث المنطقة وخباياها وأسرارها، وعليه يمكن التصرف بحكمة أكثر وربما تكون النتائج أفضل أيضاً،
الشائع عن الحمار عندنا أنه حيوان غبي، غير أن المعروف شيء آخر، فهو حيوان إلى جانب امتيازه بالصبر والقدرة على التحمل والكتمان، يعتبر من الأذكياء، حتى أنه إذا ما تم تدريبه على طريق أو درب من الدروب فإنه يسلكها بمفرده من دون قيادة، وهو على استعداد أن يظل على هذا الدرب عمره بالكامل لا يحيد عنه، وعليه فإن من الأفضل استغلال هذه الميزة في الحمار فأنصح الأميركيين بإطلاق سراحه فوراً، ولكن وضعه تحت المراقبة الدقيقة ليل نهار، ذلك لأن الحمار قطعاً سوف يعود إلى الأماكن التي انطلق منها، وعندئذ سوف يسهل الاستدلال على أفراد من المقاومة الذين قاموا بتجنيد الحمار وتدريبه وإعداده للمشاركة في العمليات العسكرية.

بقلم عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

السبت 29 نوفمبر 2003