الذكرى الخالدة لسلطان العويس

ذكرى سلطان العويس

إذا كان سلطان بن علي العويس لم يعش من القرن الواحد والعشرين الجديد سوى ايام منه وساعات, فانه سوف يعيش فيه ويحيا بأعماله مع الاحياء منا ومن بعدنا خلال القرن كله وربما بعده, وهو ما اشار اليه بيان النعي الصادر من ديوان الرئاسة, حين اكد ان الارث المشرف من اعمال الخير والبر ستبقي ذكراه خالدة إلى الابد وماثلة على الدوام في نفوس ابناء الوطن .

وسوف يرثي سلطانا كثيرون, شعراء وكتاب وادباء ورجال اعمال وشباب ونساء ومحبون, ممن عايشوه وممن لم يعايشوه مباشرة, فمثل سلطان كل خيّر ومحب من ابناء آدم هم اهله, وذووه واقرباؤه وناسه, فنبقى بعيدا عن الرثاء إلى ما ينصف الراحل من قيم ومعان ونبل وسلوك تمثلها وعاشها دون انفصام لحظة, سواء في اعماله التجارية ونشاطه الاقتصادي أو في حياته الاجتماعية أو في نظراته الفكرية والثقافية واهتماماته الادبية. ففي المجال الاقتصادي, فهو عبر نصف القرن الماضي من رجالات البلد واعيانها ورجال اعمالها الذين يمكن وصفهم بالمؤسسين والرواد, فقد وضع المداميك لمشروعات تجارية وصناعية ومصرفية, هي اليوم من معالم نهضتنا الاقتصادية ومن اسبابها ايضا, ساعده على ذلك, لا مجرد تاريخ عائلي عريق في التجارة وثروة موروثة فحسب, بل حس اقتصادي عال وشفافية نادرة وبصيرة ثاقبة, حتى كان المرحوم يمكن وصفه بترمومتر التجارة وبوصلة الاعمال عندنا. فهو في هذا الاطار كان يتزعم حركة الاسواق صعودا كل مرة, ويعرف بالفطنة والذكاء متى يستثمر هنا أو يستثمر هناك, ومتى يتوقف ويراقب, ومتى ينسحب, وفوق ذلك من تكتيكات التجارة, يصر على ان للمال قيمة استراتيجية, فابقاء اكبر قدر منه للمستقبل هو الضمانة للمخاطر والكوارث وسلم النجاة ومروحة الاطمئنان, اما المغامرات فلا وجود لها الا عند المقامرين لا التجار.

ومع المال الكثير الذي يزداد مع الزمن كثرة على كثرة حتى لا يعد ولا يحصى, تزداد الخبرة البشرية, من بعد الخبرة المالية والتجارية, فتعجن هذه صاحبها بحياة اجتماعية صافية متواضعة غير متكلفة وودودة, تمثلت في ما يلبس ويأكل ويشرب ويركب كما في مكاتبه ومجالسه ودواوينه البسيطة, كما في علاقاته الانسانية مع اعالي القوم والاعيان والتجار وفي الوقت نفسه مع البسطاء من الناس والعاديين. ومع المال والخبرة والصفاء تشف الروح اكثر, فتتحول إلى جدول ماء نمير, يمر على ارض قاحلة فيسقيها لتنبت زرعا, هو الخير عينه, من الذي عمل له سلطان بدأب في وطنه الصغير الامارات, والكبير العربي معا, فمسجد هنا ومدرسة, ومعهد هناك وورشة, ومستشفى وسد هنا وجائزة للثقافة هناك, وهكذا, بلا انقطاع. اما اذا زاد الانسان صفاء وشفت روحه اكثر, فلا يبقى سوى أن ينبثق الشعر ويبزغ شمس القصيد, وهو ما كان عليه الراحل, الذي جمع حوله من خصاله وشيمه وقيمه المالية والاجتماعية والثقافية معا خلقاً كثيراً من المحبين, الذين قرأت على وجوه بعضهم امس عند مواراة الراحل الثرى, معنى الخسارة البشرية, التي لا تعادلها خسارة ولو كانت اموال الدنيا, فهنيئا لسلطان الذي لم يخسر الدنيا وربح الناس واصطفت اعماله صفحات التاريخ, فلا رثاء لخالد.

عبد الحميد أحمد

التاريخ: 06 يناير 2000