عبد الحميد أحمد

تجربة صناديق الشكاوى

أنشأت وزارة الداخلية، في بادرة فريدة من نوعها، وفي خطوة ادارية متحضرة، ادارة ملحقة بمكتب المفتش العام، هي ادارة التحقيق والشكاوى، هدفها تلقي مقترحات الناس وشكاواهم وانتقاداتهم عن طريق صناديق مخصصة لذلك في ادارات الشرطة العامة بكافة الامارات علاوة على تخصيص صندوق بريد خاص ورقم فاكس لهذا الغرض .

تجربتنا مع صناديق الشكاوى السابقة في دوائر ومؤسسات سيئة، ذلك لأن هذه الشكاوى سرعان ما يتم جمعها، ثم إما تنام في الادراج او تلقى بعد حين في الزبالة، حتى أن اغلب هذه الصناديق لم يعد يتذكرها أحد وبعضها اختفى نهائياً، خاصة لعدم الحاجة والاستخدام، فالناس أصابها اليأس من كثرة الشكوى من غير رد ولا حل، والمشكلات تفاقمت عاماً بعد آخر الى درجة استعصاء بعضها على الحل بعد ان اتسع الخرق على الرتق، ولم يعد ينفع سوى الاستئصال او الحل الجذري، وهذا غير متوفر على الدوام

وهكذا فإن سمعة الصناديق سيئة عند الناس، غير ان عدم الاهتمام بها سابقاً لا يلغي اهمية فكرتها وجدواها في حالة قوبلت بجدية من الجهات المعنية كالوزارات والمؤسسات، وهو ما توحي به خطوة وزارة الداخلية هذه المرة التي دعت المواطنين والمقيمين على السواء عبر اعلانات صحفية مدفوعة الاجر، الى تقديم شكاواهم على أداء الشرطة وكافة المسائل ذات العلاقة بأعمال الوزارة وأجهزتها المختلفة على مستوى الدولة.

الجدية هذه المرة تمثلت في انشاء ادارة متخصصة تقوم بالبحث والتقصي في الشكوى والتحقيق، مع وعود بالاتصال بصاحب الشكوى والرد عليه ومتابعة شكواه، وهو ما نعتقد ان عشرات من قضايا الناس ومشكلاتهم الصغيرة المعلقة هنا وهناك فيما يتعلق بقضايا مرورية مثلاً وغيرها، سوف تجد حلولاً لها، كما ان دراسة هذه المشكلات والشكاوى التي يعود ربما اغلبها الى الروتين وقصور الاداء وضعف كفاءة بعض العاملين أو الى اهمال موظفين، كفيل بتطوير العمل والأداء وتحسين مستوى الخدمات التي تقدمها ادارات الوزارة ذات الصلة بالناس.

والمهم طبعاً في مثل هذه الخطوة، هو ان يشعر الناس ممن لهم معاملات ولديهم شكاوى على اسلوب او آلية او اجراءات معينة تعرقل انجاز معاملاتهم او تطيل مدتها، بأن ثمة من يستمع اليهم ويحسن التعامل مع شكاواهم ويقوم بالرد عليهم وانصافهم في حالة كانوا على حق، وهو ما لا تجده اليوم النسبة العظمى من المراجعين، الذين لو كانت عند احدهم شكوى فإنه يفضل الصمت وتحمل القهر على المرمطة بين مكتب مسئول وآخر، فيعرف ان الشكوى لغير الله مذلة. وهكذا فإن فكرة تلقي الشكاوى الفردية ودراستها والرد عليها وانصاف اصحابها، انما تحمل في مضمونها العميق تجنيب الناس ذل السؤال والبحث والمرمطة، علاوة على حل مشكلاتهم سريعاً، كما انها قناة من قنوات ايصال المعلومات الى المسئولين بطبيعة المشكلات التي تستعصي على الكشف احياناً، اضافة الى قنوات اخرى كالصحافة مثلاً.

وبما اننا نثمن خطوة الداخلية تثميناً عالياً ونعتبرها بادرة حضارية ونتمنى لها النجاح في تحقيق الهدف منها وفي اعادة المصداقية الى صناديق الشكاوى الرسمية سيئة السمعة، فإننا في الوقت نفسه نتمنى من المراجعين ان يكونوا في مستوى المسئولية، فلا يقدموا شكاوى من دون ادلة ولا اثباتات، فالهدف ليس الكيد ولا الانتقام ولا الانتقاص من ادارات وأقسام وأشخاص، بل احقاق الحق وحل المشكلات، ما يجعل من الأمانة والصدق معياراً للشكوى، والشكوى من دونهما تجنياً وظلماً وتضليلاً.

 عبدالحميد أحمد

التاريخ: 25 ديسمبر 1999