عبد الحميد أحمد

مؤسسة الاتصالات وسلوكها الحضاري

مؤسسة الامارات للاتصالات لم تر حرجاً ولا ازعاجاً ولا خجلاً في أن تعتذر ببيان رسمي للجمهور عن الأعطال أو المشكلات التي حدثت على خدمة الهاتف المتحرك في أبوظبي تحديداً، ليلتي 31 ديسمبر و6 يناير، أي ليلة رأس السنة الميلادية وليلة عيد الفطر السعيد، فدشنت بذلك قيمة حضارية واسلوباً ادارياً نتمنى أن ينتشر ليشمل كافة مؤسساتنا ووزاراتنا ودوائرنا الخدمية، بدلاً من سياسة الطناش المشهورة والمتبعة حالياً.

وكان بامكان (اتصالات) ألا ترد على أحد من أصحاب الشكاوى كعادتها سابقاً مع شكاوى تتعلق بفواتير أو برسوم أو بخطوط هاتفية وغيرها، لم يجد أصحابها عند (اتصالات) كل مرة الا أذنا من طين واخرى من عجين، وكان بامكانها أيضاً أن ترد على الشكاوى بشكل فردي فيما لو اتصل بعضهم بها للاستفسار، فتأكل بعقلهم بقلاوة وهي تعطيهم من طرف لسانها حلاوة، ثم تدير لهم ظهر المجن وهكذا، فتكون بذلك (اتصالات) تكرس قواعد عملها الراسخة في سياسة الطناش، وتكون بذلك (اتصالات) التي نعرف.

طبعاً (اتصالات) التي اعتذرت هي (اتصالات) جديدة حقاً، شجاعة ومقدامة وتحترم جمهورها ومشتركيها، (اتصالات) القرن الواحد والعشرون الجديد، قرن العلوم والانفتاح والشفافية، لا قرن الخداع والصمت والفهلوة، على نحو ما كان عليه بعض القرن الماضي، وهي زادت على الاعتذار، ما أعتبره سلوكاً ادارياً راقياً ينم عن الشعور بالمسئولية حقاً، حين اعترفت أيضاً بوقوع عطل يجري بحثه حالياً، بدلاً من لفلفة الموضوع والتستر عليه حتى يطويه النسيان.

هذا السلوك المتحضر الذي اتبعته (اتصالات) هذه المرة نرجو ان تستمر عليه، فلا تهمل شكوى ولو كانت من مشترك عادي، ولا تهضم حقوقاً لمشتركين فيما لو ثبت ان هؤلاء على حق، فتكون بذلك رائدة في تقديم النموذج الاداري الراقي الذي نفتقد اليه في التعامل مع الناس وهمومهم وشكاواهم، كما كانت رائدة فعلاً في تقديم أفضل خدمات الاتصالات، في الامارات والخليج والوطن العربي على السواء، فـ (اتصالات) من شركاتنا التي نفتخر بها انجازاً وعطاءً وتطوراً.

طبعاً بعض الهجوم والانتقاد الذي وجه لـ (اتصالات) بسبب ما حدث مفهوم ومبرر، فالناس لا بد أنها تضررت من هذا العطل، الذي كان بامكان (اتصالات) ان تربطه بازدحام المكالمات في المناسبتين والضغط على الشبكة، غير أن المبالغة في اتهام (اتصالات) بالجري وراء المصلحة والربح وحده من دون حساب أو تقدير لحجم شبكتها هو اتهام مبالغ فيه حتماً، ذلك لأن (اتصالات) لا تبيع أجهزة هواتف متحركة، بل خطوط هذه الهواتف، وهي لن تستطيع ان تبيع من الخطوط الا ما تتحمل الشبكة فعلاً، والا يكون حالها كمن يبيع الناس سمكاً في الماء.

مع ذلك فبامكان (اتصالات) التي عودتنا على أفضل الخدمات في مجال الاتصالات، أن تراجع بسبب ما حدث أوجهاً من سياستها التسويقية ومن خطة توسعاتها وتطويرها، وأن تراجع كذلك طاقة شبكاتها وكفاءتها، وان تكون مستعدة تماماً للمستقبل وللطوارئ كلما حدثت هذه، ولا نعتقد ان مؤسسة بحجم (اتصالات) وكفاءتها وتطورها يغيب عن ادارتها معالجة الاخطاء وأخذ الاحتياطات، فهي لا تحتاج الى دروس منا ولا الى مواعظ.

ونختم بأن الأخطاء والأعطال واردة في أي وقت وفي أي مجال، فلا يبقى على الجهات التي تقع فيها أخطاء أو أعطال سوى ان تمتلك شجاعة الرأي فتقر بها وتعتذر للمستفيدين من خدماتها، فذلك أول طريق الاصلاح والتصحيح، وما (اتصالات) الا واحدة من المؤسسات والجهات الخدمية التي يمكن ان تقع في مجال عملها أخطاء، والأفضل من بينها من يقر بالخطأ ويملك شجاعة الاعتراف والاعتذار معاً.. على نحو ما فعلت (اتصالات) ولأول مرة.

عبدالحميد أحمد

التاريخ: 11 يناير 2000