عبد الحميد أحمد

إذا كان المتكلم مجنوناً

بعض الأخبار من السخف إلى درجة لا يمكن تصديقها، حتى وان صدرت عن مصادر عليمة وأخرى مطلعة وثالثة على صلة بالتطورات ورابعة عن مسؤولين كبار، لأنها لا تملك من المنطق شيئاً ولا تقوم على حقائق، ما يجعل لنشرها اسباباً لا يزيد بعضها على الإثارة أو التعبئة أو التحريض ليس أكثر .

من هذه الخبر المنقول عن مسؤولين امريكيين انهم كشفوا عن زيارة قام بها خبراء دفاع يوغسلاف إلى بغداد، والتقوا مع نظرائهم العراقيين في إجتماعات مطولة استمرت يومين، وأضاف هؤلاء أن الاستخبارات الامريكية تابعت اليوغسلاف وهم في طريقهم إلى الاجتماع، ثم هناك بقية التفاصيل عن توقيت الاجتماع ونوعية المشاركين فيه وأهداف الاجتماع، ولكي يكتمل السيناريو أو صحة الخبر ودقته، فإن المسؤولين يذكرون أن الزيارة كانت سرية، من دون أن يخطر ببالهم كيف يمكن أن تكون الزيارة سرية ولديهم كل هذه المعلومات عنها؟ غير أن السخف في الخبر أو الاثارة ليست في سرية الزيارة، بل في الافصاح عن هدفها، حيث يقول هؤلاء أن اليوغسلاف ذهبوا إلى بغداد ليتعرفوا من العراقيين على كيفية اسقاط المقاتلات الامريكية وجمع المعلومات حول الطائرات الامريكية وتكتيكات المواجهة، وكأن العراقيين سواء خلال حرب الخليج وتوابعها وصولاً إلى عملية (ثعلب الصحراء) وما بعدها، كانوا يسقطون الطائرات الامريكية بالعشرات يومياً، ما يجعلهم خبراء في المواجهة، وما يجعل اليوغسلاف بحاجة إلى هذه الخبرات.

أما عن المعلومات التي بحوزة العراقيين عن الطائرات الامريكية، فدليل آخر على سخف هذه النوعية من الأخبار، فهي إما انها تستهبل القراء فعلاً، أو إنها تروج لمعلومات لأغراض في نفس يعقوب الأمريكي (مع المعذرة لمثل هذا الإشتقاق)، إذ لو كان لدى العراقيين معلومات وافية وكافية ودقيقة عن الطائرات الامريكية، لما غامرت قيادتهم مرات ومرات وهي تستخف بهذه الطائرات، بما في ذلك طائرة الشبح، لكي تحصد نتيجة هذا الاستخفاف الدمار الذي حصدته في طول العراق وعرضه.

طبعاً إذا كان المتكلم مجنوناً فالمستمع عاقل، لذلك فالقارىء وغير القارىء لا يمكنه تصديق هذه النوعية من الاخبار وبهذه الطريقة من قلة الموضوعية والصدق، فالقارىء يرى نتائج القصف الامريكي وحلفه الناتو ليوغسلافيا والدمار الذي يحدثه، كما رأى سابقاً مثل هذه النتائج في العراق، ما يجعله يعرف تماماً انه لا العراق ولا يوغسلافيا، يملكان من المعلومات ولا التكتيكات ولا القوة التي تمكنهما لمواجهة الطائرات الأمريكية، فالخبر أولاً وأخيراً بصيغته تلك عار من الصحة و… من الملابس ايضاً.

القصد طبعاً من مثل هذه التسريبات عبر هذه النوعية من الأخبار الملفقة اظهار التشابه ما بين النظام اليوغسلافي والنظام العراقي، في العقلية والادارة والحسابات الخاطئة والعنجهية والغطرسة والبطش، وغيرها من أوجه التشابه الكبيرة، لولا أن إظهار هذا التشابه لا يستدعي فبركة أخبار بمثل هذا السخف والبعد عن التصديق، إذ يكفي أن يكشف عن وجود تعاون مابين النظامين، سواء كان تعاوناً عسكرياً أو سياسياً، لكي يكون الخبر مقبولاً لدى الناس ويملك مصداقية كافية.

أما بالنسبة للعرب، فالخبر كله غير مهم والتعاون ما بين النظامين ليس من الأخبار الجديرة بالتوقف عندها، قدر أهمية ان ينجح الناتو في تحطيم رأس ميلوسيفيتش وإيقاف مجازره ضد العزل والابرياء وبطشه بألبان كوسوفو، لعل ذلك يكون درساً للذي عندهم، اما عن اي تعاون بين العراق ويوغسلافيا فهو من نوع المتعوس الذي إلتم على خائب الرجا، فلا يفيد في شيء، ولا يضير أيضاً.

عبد الحميد أحمد

التاريخ: 01 أبريل 1999

()