عبد الحميد أحمد

الدوار وسط الشارع

هذه حكاية يتداولها الناس، وتبدو أشبه بالنكتة:

دخل أحدهم بينما كان يقود سيارته في دوار، وحين سئل في مركز الشرطة عن كيفية حدوث ما حدث وعما إذا كان لم ير الدوار، أجابهم بشكل غير متوقع إجابة مفاجئة أذهلتهم وأطلقت ضحكاتهم. إذ قال جاداً: لماذا وضعتم الدوار في وسط الشارع؟

عند صاحبنا طلع الحق على الدوار الذي تم وضعه وسط الشارع، وليس عليه هو سواء أكان لحظة دخوله الدوار مسرعاً أم غير منتبه أم تحت تأثير الإرهاق أم «منرفزاً» إلى غير ذلك من الأسباب والدوافع ومع ما في الحكاية من مفارقة، إلا أن في إجابته ما يستدعي التأمل فعلاً، إذ يمكن أن يكون الدوار ليس ملائماً على سبيل المثال للشارع الذي كان يسير عليه صاحبنا، وبهذا يكون الحق على الدوار فعلاً.

ربما لهذا السبب وليس لغيره، كثيراً ما نجد بعد تشييد دوار في مكان ما، يتم استبداله بتقاطع وإشارات، أو بعد وضع إشارات مرور على شارع ما، يتم استبدالها بوسيلة أخرى تحقق الغرض الذي تحققه الإشارات نفسها، ويستذكر الناس، خاصة مستخدمي الطرق من أصحاب السيارات نقطتي الإشارات اللتين وضعتا في الشارع الواصل بين تقاطع الساعة في دبي ودوار الشعلة، لمعالجة مشكلة عبور المشاة، وهو شارع قصير أدى وجود هاتين النقطتين فيه إلى خلق مشكلة أخرى وهي تكدس أرتال السيارات وازدحامها، فتم استبدال الإشارتين معاً بجسر علوي لعبور المشاة حقق الغرض بنجاح وقلل من شكاوى الناس حول هذا الطريق.

ليس عيباً إذن أن نعتبر جواب صاحبنا الذي بدا مضحكاً جواباً صحيحاً، وليس عيباً بالتالي على الجهات المنظمة والمخططة للطرق أن تنزل إلى الناس لتأخذ آراءهم فيما تم إنجازه، أو في المشروعات المقبلة وليس في ذلك أي تقليل لأهمية ومقدار وآراء الاختصاصيين والمهندسين، بل لعل في ذلك ما يساعدهم على إنجاز ما يريدون على وجه حسن. بل إن العمل بهذا الأسلوب هو طريقة علمية صحيحة ومتقدمة ومطلوبة دائماً.

مناسبة هذا الكلام هو الاستبيان الذي تنظمه بلدية دبي حالياً بالتعاون مع شرطة دبي وتستفتي فيه آراء الناس حول بعض الطرقات، وهو الأسلوب العلمي الذي يستحق الإشادة والذي نرجو أن يتم تعميمه كذلك لكي تعمل به كافة البلديات والدوائر الخدمية الأخرى في كل الإمارات التي لها علاقة مباشرة بالناس في حياتهم وشؤونهم اليومية، فالبناء ثم الهدم وإعادة البناء نتيجة لعدم التخطيط وعدم دراسة الجدوى وامتزاج آراء الناس، فيه من هدر الإمكانيات الشيء الكثير، وبالنسبة للطرق يتجاوز الأمر ذلك إلى خطر هدر الأرواح وازهاقها تحت الحديد.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، 1997. ()