عبد الحميد أحمد

من غير ليه

ستظل أغنياته ترن في الأسماع، فمن منا يستطيع أن ينسى «أخي جاوز الظالمون المدى» أو «دقت ساعة العمل» أو «الوطن الأكبر»؟

من منا بقدرته أن يمر ولا يتوقف حين تنساب حنجرته الذهب شلال عاطفة آتية من أدغال الدهشة وهي ترنم «كل ده كان ليه» أو «هان الود» أو «كليوباترا» أو «يا جارة الوادي»؟

رحل عبد الوهاب، هل نقول عنه إنه آخر وأكبر عماليق فن الموسيقى العربية الحديثة؟ هو كذلك.

وبعيداً عن الألقاب والشهادات والأوسمة التي حصل عليها طوال مشواره الفني الذي امتد على مساحة من الزمن تزيد على نصف قرن، تكريماً لعبقريته الفنية ودوره في النهوض بالغناء والموسيقى العربية، فإن الرجل ضمن لنفسه أعظم الأوسمة حين احتل عطاؤه الفني غناءً وتلحيناً وتأليفاً موسيقياً، وجدان الإنسان العربي، من المحيط إلي الخليج سواء وصل هذا العطاء عبر حنجرته أم حناجر الآخرين ممن عمل على صقلهم ودفعهم إلى النور، أو عن أنامله التي خرج من تفاعلها الكيميائي المعقد وهي تلمس أوتار عوده روائع موسيقية، بعضها ثمة أناشيد وطنية لبلاده مصر، ولدول عربية أخرى، وأخرى معزوفات ومقاطع وألحان رضعها المواطن العربي مع حليب الصباح وخبز المساء.

مشوار طويل وصارم من الفن والإخلاص له وعشقه حتى حدود العزلة، فيه من المحطات ما يصلح دروساً لأجيال من الفنانين والموسيقيين العرب، دروس في الموسيقى كعلم وفن أصيل وكحاجة إنسانية روحية، ودروس أخرى في الالتزام والصدق وبذل الجهد الذاتي على التثقيف والتطوير، فيكفي مثلاً أن عبد الوهاب أول من نقل الغناء من حالة كونه تطريباً إلى حالة كونه علماً، ويكفي مثلاً أنه دأب على تثقيف نفسه والارتقاء بقدراته دون أن يدخل مدرسة أو جامعة ويكفي أيضاً صرامته في حياته والابتعاد بها عن اللهو والعبث وإصراره على تقديس الحياة الأسرية والاجتماعية، وأيضاً مخالطته للمفكرين والأدباء والمثقفين، فأين من كل هذا فنانونا الحاليون؟

نعم تصيبنا حالة حزن شديد، ليس لرحيل عبد الوهاب فحسب، بل لحالة الفنانين العرب الحاليين الذين على العكس منه تماماً، يقدسون حياة اللهو والسهر ويخالطون الحشاشين والمدمنين، أما عن الثقافة والعلم فحدث ولا حرج وفوق ذلك استمع لأغنياتهم وألحانهم لتصاب بالدوار أو الغثيان، أو ما بينهما!

.. وداعاً عبد الوهاب، لا نستطيع أن نقول أكثر أو أقل، لكن في كل لحن تركته لنا سنجد مشهداً من ذاكرتنا الوطنية والقومية، وفي كل معزوفة ستطالعنا طفولتنا، وفي كل أغنية ستعود إلينا لحظات غرام منسية في ردهات الزمن.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، 1997. ()