عبد الحميد أحمد

سخرية العالم الثالث

راجيف غاندي صرعته قنبلة بينما منجستو هيلامريام فر هارباً من بلاده، الأول كان يتقدم إلى السلطة بقوة الناس، فيما الثاني كان يتمسك بالسلطة رغم أنف الناس.

وكان يمكن لمريام أن يموت برصاصة أو بقذيفة مدفع أو بانفجار قنبلة، أو حتى بطعنة سكين من أحد المقربين إليه، لكنه أخذ الدرس من سياد بري ففر بجلده غانماً حياته.

في الهند تحتدم واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم الثالث، وواحدة من أكبر الديمقراطيات في العالم حيث يفوق عدد الناخبين في الانتخابات الخمسمائة مليون ينظمها ويشرف عليها أكثر من ثلاثة ملايين موظف وخبير انتخابي ويحرسها حوالي ١٥ مليون رجل أمن وفوق ذلك تجري هذه الديمقراطية في بيئة قاسية، هي مرتع خصب للطوائف والديانات واللغات واللهجات والأعراق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المتنافرة لا شبيه لها إلا التوابل الهندية نفسها.

… ومع ذلك فآلة الديمقراطية تعمل في الهند بلا توقف وإن ظهرت في طريقها أشلاء ودماء وهذا الخيار الديمقراطي جنّب الهند نكبات وحروب وويلات لا حد لها كانت من مصير دول أخرى وضعت الديمقراطية في جيوب حفنة عسكر أو حفنة حرامية.

من هذه الدول الصومال الذي اشتعلت فيه حروب القبائل، وتهدده الآن بخطر التقسيم ومنها أثيوبيا التي تهددها ويلات حرب أهلية، ناهيك عن المجاعة والفقر والتخلف ونكبات أخرى هي قاسم مشترك بينهما وكان يمكن للهند أن تبتلي بأكثر مما ابتليت به هاتان الدولتان فمشكلاتها تفوق بمراحل مشكلات كل من الصومال وأثيوبيا، لولا هذا الخيار الذي سارت عليه منذ استقلالها.

سيبكي الهنود كثيراً على غاندي حتى المعارضين له سيذرفون عليه الدمع فيما لن يجد سياد بري ولا منجستو مريام في مخبأيهما من يقول لهما مرحباً.

وإذا كان العنف سمة من سمات الانتخابات الهندية منذ انطلاقها في العام ١٩٤٧ نتيجة لخصوصية الهند على خلاف الانتخابات الغربية التي تجري دون دماء ولا قنابل ولا رصاص، فإن استمرار الديمقراطية فيها ميزة لا تتوفر في كثير من دول العالم الثالث فغاندي ليس آخر ضحايا الديمقراطية، ولكن يكون الأخير وقبله ذهبت أمه أنديرا ضحية رصاص حارسها لكن سباق الديمقراطية وحده يظل خياراً أخيراً لها لأنه من دون هذا الخيار تنفتح أمام دولة كالهند أبواب المجهول الذي يحمل معه ما هو محتمل كالانفصال والاقتتال الطوائفي وما هو غير معلوم كالمجاعة والموت في العراء وهو ما يعرفه الهنود ويخافون منه.

… وفي أثيوبيا تلمع أنياب الحرب الأهلية، في الصومال تشتعل حروب القبائل أما في الهند فنقاط الدم تلوث ثياب الديمقراطية.

… وفي الثلاث سخرية العالم الثالث.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()