عبد الحميد أحمد

أطباء الحكومة

تصور أن زوجتك اليوم وبعد أن أعدت لك ولأولادك طعام الغداء خرجت لتتناول طعامها عند الجيران أو في أحد المطاعم.

وتصور أن بائع اللحم الذي تشتري منه يذهب ليقتني لنفسه لحماً عند لحام آخر؟

وعلى المنوال نفسه لن أقول تصور أن الطبيب الذي تتعالج على يديه في المستشفى الحكومي والذي يفتح يومياً عدة بطون قرر حين جاءه مرض استدعى جراحة أن يطلب لنفسه الشفاء عند مستشفى خاص، فهذا هو حقيقة ما يقوم به غالبية أطبائنا العاملين بالقطاع الحكومي.

ونعرف وتعرفون أن ما نسبته ٨٠٪ من كبار موظفي التربية والتعليم يدخلون أولادهم إلى المدارس الخاصة وكان تبرير بعضهم وقتئذ أن المناهج الحكومية متخلفة دون أن يقولوا من وضع هذه المناهج!

ولا أعرف كيف بإمكان الزوجة واللحام والطبيب والمربي أن يقنعوا الزوج والزبائن والمرضى والطلاب وأولياء الأمور بطبخهم وبضاعتهم وعلاجهم ودروسهم، فيم هم أنفسهم ينصرفون إلى الآخرين لاحتياجاتهم ولا يذوقون مما تصنعه أيديهم أو عقولهم أو سكاكينهم ومشارطهم.

أما الأطباء فحكايتهم حكاية فمؤخراً تعالج أحدهم عند عيادة خاصة، ولم ينس أن ينشر إعلاناً يشكر فيه الأطباء الذين عالجوه وعندي بعض التفسيرات لمثل سلوك الأطباء الحكوميين هذا: فإما أن مثل هذا الطبيب صاحب مال ويفضل راحة باله على زحمة المستشفيات الحكومية وسوء خدماتها في حال صح هذا الأمر، وإما أنه لا يثق في زملائه الذين يعملون معه، وإما أنه لا يثق بالخدمات الصحية كلها التي يقدمها المستشفى الذي يعمل فيه وهذه طامة بحد ذاتها وإما أنه يقوم بذلك للتجسس لصالح الحكومة لمعرفة أسرار وخفايا وإمكانيات المستشفيات الخاصة، على طريقة شرلوك هولمز وجيمس بوند، وأرجح أكثر التفسير التالي وهو أن ممرضات القطاع الخاص أجمل وأدفأ وحنانهن يشفي المريض من نظرة وابتسامة بلا مقص ولا مشرط ولا حقنة فيما ممرضات الحكومة لا أراك الله!

ونعرف أكثر أن الدولة تنفق على الخدمات والمرافق الصحية والطبية وتوفر للمستشفيات من الإمكانيات والأجهزة والمعدات والمباني والأطباء والممرضين وغير ذلك ما يفوق بكثير حجم المنفوق بالعيادات الخاصة، وما يتفوق على ما هو موجود فيها، فأين يكمن سر سلوك أمثال هؤلاء من الأطباء الذين يساهمون بأنفسهم في الإخلال بالثقة في الخدمات الصحية الحكومية ضاربين «القدوة الحسنة» لمرضاهم بهروبهم إلى العيادات الخاصة؟ هل في سلوكهم إقرار رسمي بتخلف الخدمات في القطاع الحكومي، أم ماذا؟

وحكاية الصديق التالية قد تفسر جزءاً من العلة فقد روى هذا أن صديقاً له رفض عرضاً للعلاج في عيادة خاصة، ورفض كذلك عرضاً للعلاج في الخارج مصراً على أن يدخل مستشفى حكومياً لإجراء عملية ما، وعندما سألته: هل شفي صديقك من علته؟

أجاب بهدوء: نعم فقد مات!

الحكاية هذه صحيحة أم نكتة سوداء هي من باب التهكم الذي يشاع عن المستشفيات الحكومية لانعدام الثقة فيها وإذا كان أطباء هذه المستشفيات أنفسهم لا يتعالجون بها فالحكاية إنما تعني انعدام الثقة فيهم أولاً وأكثر انعدام الثقة فيما بينهم، فيما بين أصحاب الكار.

… وعند هؤلاء الخبر اليقين، لا عندنا ولا عند جهينة.

 

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()